٦٤ - وقوله للنبيء ﷺ: "أرَأيْتَ أمُورًا كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِليَّة هَلْ لِي فيِهَا مِن شَيء؟ فَقَال له رسول الله ﷺ: أسْلَمْتَ عَلَى مَا أسْلَفْتَ مِنْ خَيرٍ". قال مسلم: التحنث التعبد (ص ١١٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: تحنث الرجل، إذا فعل فِعلا خرج به عن الحِنث، والحنث: الذنب. وكذلك تأثم، إذا ألقى الإِثم. عن نفسه. ومثله تحرّج وتحوّب، إذا فعل فعلا يخرجه من الحرج والحوب. وفلان يتهجد، إذا كان يخرج من الهجود، ويَتَنَجَّس، إذا فعل فعلا يخرج به من النجاسة، وامرأة قذور، إذا كانت تتجنب الأقذار، ودابة ريّض، إذا لم ترض. هذا كله عن الثعالبي إلاّ تأثم فإنه عن الهروي. وأنشد غيرهما: [الطويل]
تَجَنَّبْتُ إتْيَان الحَبيبِ تَأثُّمًا ... ألاَ إنَّ هِجْرَانَ الحَبِيبِ هُوَ الإِثْمُ
وأما قوله: "أسْلَمْتَ عَلَى مَا أسْلَفتَ مِنْ خَيْرٍ" فإن ظاهره خلاف ما تقتضي (١٨١) الأصول لأن الكافر لا يصح منه التقرب فيكون مثابًا على طاعاته (١٨٢). ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب كنظره في الإِيمان فإنه مطيع فيه من حيث كان موافقًا للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر ولكنه لا يكون متقربًا لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفًا بالمتقرب إليه وهو في حين نظره لم يحصل له العلم بالله تعالى بعدُ، فإذا تقرر هذا علم أن الحديث متأول، وهو يحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون المعنى أنك اكتسبت طباعًا جميلة وأنت تنتفع بذلك
(١٨١) في (ب) "ما تقتضيه".
(١٨٢) في (ب) "على طاعته".