ولما قالت اليهود والنصارى: " نحن أبناء الله وأحباؤه " يعنون إنهم عند اتلله بمنزلة الولد، إن عذبنا فإنما يعذبنا بقدر ذنوبنا؛ فأنزل الله على نبيه محمد (- صلى الله عليه وسلم -): قل لهم: يعني اليهود " فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء "، وقالوا: يعني اليهود " لن تمسنا النار إلا أياما معدودات "، قل: "أتخذتم عند الله عهدا، فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "، وقال في المقربين من أهل هذه الأمة: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به " فسوي بينهم وبين أهل الكتاب، فقال: " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ".
فإن احتجوا بقوله تعالي: " خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك "؛ فقد شاء ربك لهم الخلود حيث قال: " خالدين فيها أبدا "؛ لأن الله تعالي قد جمع الكفار، والموحدين جميعا في آية واحدة، وأعد لهم الخلود، قوله: " إلا ما شاء ربك "، فقد شاء لهم الخلود حيث أخبر بخلود أهل النار، وقال: " وما هم منها بمخرجين ".
والحكمة في خلود أهل النار أن العاصي؛ إذا عصي الله؛ فقد عصي ربا عظيما، لا نهاية لعظمته؛ فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، ولأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع، ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب، ولا يزول، ولا ينقطع، فلو كان لثوابه، وعقابه نهاية، وحد ينتهي إليه، ثم ينقطع، لأشبهه ثواب المخلوقين، وعقابهم.
Bogga 399