Mawcizat Muminin
موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين
Tifaftire
مأمون بن محيي الدين الجنان
Daabacaha
دار الكتب العلمية
إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ فِيهِ بُخْلٌ»، فَقَالَ ﷺ: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ، وَلَكِنَّ سَيِّدَكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ» وَكَانَ «عمرو» يُولِمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَزَوَّجَ.
وَعَنْ علي ﵁ قَالَ: وَاللَّهِ مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ حَقَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) [التَّحْرِيمِ: ٣] .
وَقَالَ «بشر»: «النَّظَرُ إِلَى الْبَخِيلِ يُقَسِّي الْقَلْبَ، وَلِقَاءُ الْبُخَلَاءِ كَرْبٌ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» .
وَقَالَ «ابن المعتز»: «أَبْخَلُ النَّاسِ بِمَالِهِ أَجْوَدُهُمْ بِعِرْضِهِ» .
بَيَانُ الْإِيثَارِ وَفَضْلُهُ:
اعْلَمْ أَنَّ السَّخَاءَ وَالْبُخْلَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَنْقَسِمُ إِلَى دَرَجَاتٍ، فَأَرْفَعُ دَرَجَاتِ السَّخَاءِ الْإِيثَارُ، وَهُوَ أَنْ يَجُودَ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا السَّخَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ بَذْلِ مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِمُحْتَاجٍ أَوْ لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ، وَالْبَذْلُ مَعَ الْحَاجَةِ أَشُدُّ، وَكَمَا أَنَّ السَّخَاوَةَ قَدْ تَنْتَهِي إِلَى أَنْ يَسْخُوَ الْإِنْسَانُ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ الْحَاجَةِ.
فَالْبُخْلُ قَدْ يَنْتَهِي إِلَى أَنْ يَبْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، فَكَمْ مِنْ بَخِيلٍ يُمْسِكُ الْمَالَ وَيَمْرَضُ فَلَا يَتَدَاوَى، وَيَشْتَهِي الشَّهْوَةَ فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهَا إِلَّا الْبُخْلُ بِالثَّمَنِ، وَلَوْ وَجَدَهَا مَجَّانًا لَأَكَلَهَا، فَهَذَا بَخِيلٌ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرَهُ مَعَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، فَانْظُرْ مَا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَإِنَّ الْأَخْلَاقَ عَطَايَا يَضَعُهَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْإِيثَارِ دَرَجَةٌ فِي السَّخَاءِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ بِهِ فَقَالَ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الْحَشْرِ: ٩] .
فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَيْفٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ أَهْلِهِ شَيْئًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَذَهَبَ بِالضَّيْفِ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ الطَّعَامَ وَأَمَرَ امْرَأَتَهُ بِإِطْفَاءِ السِّرَاجِ، وَجَعَلَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الطَّعَامِ كَأَنَّهُ يَأْكُلُ، وَلَا يَأْكُلُ حَتَّى أَكَلَ الضَّيْفُ الطَّعَامَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمُ اللَّيْلَةَ إِلَى ضَيْفِكُمْ» وَنَزَلَتْ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الْحَشْرِ: ٩] .
فَالسَّخَاءُ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِيثَارُ أَعْلَى دَرَجَاتِ السَّخَاءِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ دَأْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَظِيمًا فَقَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [الْقَلَمِ: ٤] .
قِيلَ: خَرَجَ «عبد الله بن جعفر» ﵄ إِلَى ضَيْعَةٍ لَهُ فَنَزَلَ عَلَى نَخِيلِ قَوْمٍ وَفِيهِ
1 / 225