Marjaca Salikiinta
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
Tifaftire
محمد المعتصم بالله البغدادي
Daabacaha
دار الكتاب العربي
Daabacaad
السابعة
Sanadka Daabacaadda
1423 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
فَقَالَ: بَلْ مَنْ تَوَرَّعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الْوَرَعِ. وَمَنْ زَهِدَ فِي غَيْرِ اللَّهِ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الزُّهْدِ. وَمَنْ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الرِّضَا.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وَهِيَ: أَهْلُ مَقَامَاتٍ ثَلَاثَةٍ:
أَحَدُهُمْ: يُحِبُّ الْمَوْتَ شَوْقًا إِلَى اللَّهِ وَلِقَائِهِ.
وَالثَّانِي: يُحِبُّ الْبَقَاءَ لِلْخِدْمَةِ وَالتَّقَرُّبِ.
وَقَالَ الثَّالِثُ: لَا أَخْتَارُ. بَلْ أَرْضَى بِمَا يَخْتَارُ لِي مَوْلَايَ، إِنْ شَاءَ أَحْيَانِي، وَإِنْ شَاءَ أَمَاتَنِي.
فَتَحَاكَمُوا إِلَى بَعْضِ الْعَارِفِينَ. فَقَالَ: صَاحِبُ الرِّضَا أَفْضَلُهُمْ. لِأَنَّهُ أَقَلُّهُمْ فُضُولًا، وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى السَّلَامَةِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَقَامَ الرِّضَا فَوْقَ مَقَامِ الشَّوْقِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا.
بَقِيَ النَّظَرُ فِي مَقَامَيِ الْآخَرِينَ: أَيُّهُمَا أَعْلَى؟
فَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ مَقَامَ مَنْ أَحَبَّ الْمَوْتَ. لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الشَّوْقِ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ لِقَائِهِ. وَمَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ.
وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ مَقَامَ مُرِيدِ الْبَقَاءِ لِتَنْفِيذِ أَوَامِرِ الرَّبِّ تَعَالَى.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْأَوَّلَ مُحِبٌّ لِحَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وَهَذَا مُحِبٌّ لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ. لَمْ يَشْبَعْ مِنْهُ، وَلَمْ يَقْضِ مِنْهُ وَطَرًا.
قَالُوا: وَهَذَا حَالُ مُوسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - حِينَ لَطَمَ وَجْهَ مَلَكِ الْمَوْتِ. فَفَقَأَ عَيْنَهُ، لَا مَحَبَّةً لِلدُّنْيَا، وَلَكِنْ لِيُنَفِّذَ أَوَامِرَ رَبِّهِ. وَمَرَاضِيهِ فِي النَّاسِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ عَبْدُهُ، وَأَنَا عَبْدُهُ. وَأَنْتَ فِي طَاعَتِهِ. وَأَنَا فِي طَاعَتِهِ وَتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَالسِّتِّينَ: إِنَّ حَالَ الرَّاضِي الْمُسَلِّمِ يَنْتَظِمُ حَالَيْهِمَا جَمِيعًا، مَعَ زِيَادَةِ التَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الِاخْتِيَارِ، فَإِنَّهُ قَدْ غَابَ بِمُرَادِ رَبِّهِ مِنْهُ - مِنْ إِحْيَائِهِ وَإِمَاتَتِهِ - عَنْ مُرَادِهِ هُوَ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ. وَكُلُّ مُحِبٍّ فَهُوَ مُشْتَاقٌ إِلَى لِقَاءِ حَبِيبِهِ، مُؤْثِرٌ لِمَرَاضِيهِ. فَقَدْ أَخَذَ بِزِمَامِ كُلٍّ مِنَ الْمَقَامَيْنِ، وَاتَّصَفَ بِالْحَالَيْنِ. وَقَالَ: أَحَبُّ ذَلِكَ إِلَيَّ أَحَبُّهُ
2 / 219