519
منهج دراسة سيرة النبي ﷺ
ودراسة سيرة النبي ﷺ ينبغي أن تقوم على عدة أسس وصفات، ومن أهمها: أولًا: ينبغي أن تكون الدراسة لسيرة النبي ﷺ منطلقة من عزة الإسلام وأحقيته في الحكم والسيادة، وأن الله ﷾ لا يقبل من أحد دينًا غيره.
وهذه قضية مهمة جدًا، فمن يدرس سيرة النبي ﷺ يجب أن يبنيها على هذا الأساس؛ إذ ليست سيرة النبي ﷺ سيرة رجل من الناس، وإنما يبنيها على أن هذا الإسلام لا يقبل الله من أحد دينًا غيره، وعلى أن هذا الإسلام لا يمكن أن تتم معرفته إلا بمدارسة سيرة هذا النبي الكريم ﷺ، وينبغي البعد عن الروح الانهزامية في تحرير وتحليل قضايا السيرة النبوية، فجهاد رسول الله ﷺ يدرسه الإنسان على أنه دين أمر الله ﷾ به، لا على أن المسلمين لم يقصدوا به كذا، ولم يقصدوا منه كذا، وإنما كان دفاعًا، ولم ينتشر الإسلام بالسيف، ولم ولم إلى آخر العبارات التي جاءتنا من سموم المستشرقين والمبشرين.
نعم قال الله ﵎: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، لكن الله ﷾ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فالجهاد ليس فيه روح انهزامية، ونحن ندرس سيرة النبي ﷺ من خلال الأحكام الشرعية التي تبين كيف أن هذا نبي من عند الله، وأن الله ﷾ أمره بأن يبلغ دينه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
ومن الأمثلة على الروح الانهزامية لبعض من يدرس سيرة النبي ﷺ: ما فعله بعضهم حينما مر على قصة بني قريظة حينما خانوا النبي ﷺ في غزوة الأحزاب، وقصتهم طويلة وهي مفصلة في كتب السيرة، لكن النبي ﷺ بعد أن هزم الأحزاب رجع إلى بني قريظة، وكانت له مع جبريل قصة حينما ألقى النبي ﷺ السلاح فدخل عليه جبريل فقال: (يا محمد! ألقيت السلاح؟ قال: نعم.
قال: فإن الملائكة لم تلق بعد السلاح.
قال: وماذا؟ قال: اذهب إلى بني قريظة)، فقام رسول الله ﷺ ولبس لأمته وذهب إلى بني قريظة وحاصرهم حتى استسلموا، فلما استسلموا أرادوا أن تكون حالهم كحال بني النضير الذين وهبهم النبي ﷺ لـ عبد الله بن أبي ابن سلول؛ حيث إن النبي ﷺ وافق على أن يُؤخذ منهم السلاح، وتُسلم لهم نفوسهم وأموالهم، فأرادوا ذلك، وطلبوا من النبي ﷺ أن يحكم فيهم حليفهم في الجاهلية سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه.
فقبل النبي ﷺ في أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وقبلوا هم ذلك، وجاء رسول الله ﷺ ودعا سعد بن معاذ، وكان قد أصيب بجرح، فلما أقبل سعد بن معاذ على رسول الله ﷺ وأنزلوه قال النبي ﷺ: (لقد آن لـ سعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقال: احكم في بني قريظة يا سعد)، أي: احكم في هؤلاء الخونة، فقال سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه: (أحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم).
فقال النبي ﷺ: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)، أي: أن حكمك هو حكم الله الجبار ﷻ، وأتي بهؤلاء الملاعين، وكانوا قرابة السبعمائة رجل.

25 / 16