493
جهود أعداء الله في محاربة القرآن وإبعاده عن المجتمعات الإسلامية
لقد أدرك أعداء الإسلام هذه الحقيقة المتمثلة في أن هذه الأمة لديها موطن عزها ورفعتها ونهوضها، وذلك باعتصامها بالقرآن وبسنة الرسول ﵊، ومن ثم عمل هؤلاء الأعداء على صرف المسلمين عن هذا القرآن حتى لا يتلقوه كما ينبغي ويجب، وحتى يعرضوا عنه ويهجروه وينشغلوا بغيره.
وتأمل قول الله ﵎ بعد ذكره لصيحة الرسول ﷺ في قومه أنهم اتخذوا هذا القرآن مهجورًا: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٠ - ٣٣].
فجهود المجرمين من الأعداء متواصلة لصد المؤمنين عن هذا القرآن الذي هو منار هداية ومصدر قوة، ولقد صدوا عن هذا القرآن لما نزل، وهاهم اليوم وفي كل وقت يبذلون الجهود لصد هذه الأمة عن كتابها، ولإشغالها بمختلف وسائل اللهو والعبث، حتى لا تجد لقلوبها، بل ولا لأوقاتها، بل ولا لمشاعرها وعواطفها مكانًا لهذا القرآن الذي يقول الله فيه: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٢ - ٣٣].
ومهما حاول الأعداء فسيبقى هذا القرآن مصدر قوة لهذه الأمة، ومتى؟ حين تتلقاه على أنه منهج كامل للحياة، وسيبقى هذا القرآن أيضًا مصدر قلق للأعداء مهما نجحوا في مخططاتهم وصرف هذه الأمة عن هذا القرآن، سيبقى مصدر عزة وقوة لهذه الأمة، وسيبقى في مقابل ذلك مصدر قلق لأعداء الله في المشارق والمغارب، مهما حاولوا، ومهما ظنوا أن مخططاتهم نجحت لصرف هذه الأمة عن القرآن العظيم.
ويقول الله ﵎ عن هذا القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٠ - ٥٢] (وجاهدهم به) أي: بالقرآن.
تأمل في هذه الآيات نهي الله رسوله ﷺ عن أن يطيع الكافرين، وأمره أن يجاهدهم بالقرآن جهادًا كبيرًا، فلا تطع الكافرين الذين يسعون لصرفك عن هذا لقرآن بشتى أساليب الصرف، ولقد كان كبراء قريش يقولون للناس: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].
وإن هذا ليدل على مبلغ الخوف والذعر الذي به تضطرب نفوسهم ونفوس بقية الناس من تأثير هذا القرآن العظيم، وكيف لا وهم يرون الناس في كل يوم وليلة منذ زمن الرسول ﷺ وإلى عصرنا الحاضر يؤخذون بعظمة وبلاغة هذا القرآن وعظمة تشريعه، فيدخلون في دين الله تعالى زرافات ووحدانًا، حتى في وسط عواصم الكفر والشرك.

23 / 3