Lessons from Sheikh Abdul Rahman Al-Mahmoud
دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود
Gobollada
•Sacuudi Carabi
Imbaraado iyo Waqtiyo
Al Saʿuud (Najd, Hijaz, Sacuudiga casriga ah), 1148- / 1735-
سبب غزوة تبوك، وسبب تسميتها بغزوة العسرة
كان للمسلمين في هذه الغزوة العظيمة دروس وأي دروس! ولما كان استعراض تلك الغزوة يطول بنا فإننا آثرنا أن نقف بعد هذا العرض الموجز السريع عدة وقفات تبين شيئًا من أحداثها.
وأول وقفة نشير إليها هنا هي: سبب هذه الغزوة، ولماذا سميت بغزوة العسرة؟ قال ﷾: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:١١٧].
وقد ذكرت عدة أسباب لهذه الغزوة، لكن المتأمل لها يجد أنها أسباب ضعيفة.
فقد قيل: إن نصارى العرب قالوا لـ هرقل: إن هذا النبي قد مات، فأدرك دينك واهجم على جزيرة العرب.
فاستعد هرقل لحرب الرسول ﷺ والمسلمين في الجزيرة، فعزم الرسول ﷺ على قتالهم.
وقيل: إن اليهود قالوا للنبي ﷺ: لو أنك ذهبت إلى بلاد الشام لأنها بلد الأنبياء وبلد المحشر.
فذهب الرسول ﷺ إلى هناك استجابةً لقول هؤلاء، ونزل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٦]، ولكن أيضًا هذا القول ضعيف؛ إذ كيف يخرج النبي ﷺ بأمر من يهود وهو يعرف كذبهم وخداعهم؟ كذلك أيضًا قيل: إن الروم جمعوا جموعًا لحرب النبي ﷺ فأراد الرسول أن يواجههم هناك.
كذلك أيضًا قيل: إن الرسول ﷺ إنما غزا هذه الغزوة ثأرًا لابن عمه جعفر بن أبي طالب الذي استشهد في مؤتة.
وكل هذه الأقوال ليس لها سند صحيح، فكل هذه الأسباب إما أسباب ضعيفة، وإما أسباب باطلة لا تليق بمقام رسول الله ﷺ.
ويأتي السؤال هنا: إذًا ما هو سبب هذه الغزوة؟
و
الجواب
الحقيقة أن المتأمل لأحداثها ومنهج رسول الله ﷺ في الجهاد يجد أن سبب هذه الغزوة هو مشروعية الجهاد في سبيل الله، أي أن الرسول ﷺ أراد أن يعلم أصحابه من بعده، وأراد أن يعلم هذه الأمة أنه لابد من الجهاد في سبيل الله امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿َوقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦].
وامتثالًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:١٢٣]، فخرج النبي ﷺ لملاقاة الروم لإثبات أن هذا الدين هو الدين الحق، وأن هذا الدين هو الذي يجب أن يسود في الأرض، وأن المسلمين واجب عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله، وأن لا يتركوا الجهاد أبدًا، ومن ثَّم قال رسول الله ﷺ: (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا).
إذًا: هو تخطيط من رسول الله ﷺ، تخطيط دقيق في آخر غزوة غزاها، حيث أراد أن يعلَّم المسلمين أن الإسلام وأن الفتوحات يجب أن تنتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الذي فعله أصحاب رسول الله ﷺ، فما توقفوا ﵃ بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى في مكان، وإنما امتدت الفتوحات إلى بلاد فارس، وإلى بلاد الروم، وإلى مصر، وإلى مشارق الأرض ومغاربها، وصلوا إليها فاتحين مجاهدين في سبيل الله، ينشرون العدل والتوحيد والإيمان والحكم الإسلامي الذي يبنى على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ثم حين تخضع البلاد لحكم المسلمين ولهيمنتهم لا إكراه في الدين بالنسبة لأهل الكتاب في غير جزيرة العرب، ولهذا فرسول الله ﷺ في هذه الغزوة علم أمته ذلك.
وهذه الغزوة سميت غزوة العسرة؛ لأنها تميزت بجوانب مختلفة عن غيرها من الغزوات، ومن ذلك: أولًا: أنها كانت في شدة الحر، وفي لهيب القيظ المحرق، ولقد وصف أصحاب النبي ﷺ ما وجدوه، حتى قال قتادة: خرجوا إلى الشام في تبوك في لهيب الحر على ما يعلم الله من الجهد، حتى ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، وهكذا.
ويقول عمر بن الخطاب ﵁: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك فنزلنا منزلًا، فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع من شدة الحر).
ثانيًا: أنه كان في هذه الغزوة سفر بعيد، وليست غزوة يصلون إليها خلال يوم أو يومين، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢]، فكان السفر بعيدًا.
ثالثًا: أن العدو خطير، وهو الروم بجيوشهم وعتادهم وسلطانهم ونفوذهم، ولقد كانت قلوب المنافقين تتقطع في المدينة خوفًا من مواجهة الروم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
رابعًا: أن الجيش الإسلامي كان جيشًا ضخمًا يحتاج إلى مؤن، ويحتاج إلى استعداد، والمسلمون في غاية الحاجة والفقر.
ولهذه الأسباب كانت هذه الغزوة غزوة عسرة، وقد تربى فيها أصحاب النبي ﷺ أيما تربية، ولهذا كانت هذه الغزوة فيها من العبر وفيها من الدروس وفيها من مواقع التربية الشيء الكثير.
18 / 5