757

Lessons by Sheikh Yasser Burhami

دروس للشيخ ياسر برهامي

حكم المقاطعة التجارية
إن البيع والشراء مصلحة، والإجارة والاستئجار مصلحة، ويمكننا أن نقاطع البيع والشراء، ويمكننا أن نبيع ونشتري، فقد فعل النبي ﷺ الأمرين، وهذا حسب المصلحة، فإن ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنه كان قد أسرته خيل المسلمين مشركًا قبل إسلامه، فجيء به إلى النبي ﷺ، فربطه في المسجد؛ ليغير وجهة نظره عن الإسلام، بصحبة المسلمين ورؤيتهم في أثناء عبادتهم، وقد كان أبغض شيء إليه هذا الدين، فحبسه ثلاثة أيام، ففي اليوم الأول قال له النبي ﷺ: (ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك يا محمد: إن تمنن تمنن على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ، فلما كان في اليوم الثالث قال له مثل ذلك فقال النبي ﷺ: أطلقوا ثمامة).
فمنَّ عليه النبي ﵊ وأحسن إليه، وكان ثمامة قد تغير في هذه الأيام الثلاثة، فانطلق ثمامة ﵁ ولم يكن قد أسلم عند ذلك، وأبى أن يسلم وهو في الأسر، فأطلقه النبي ﷺ، وهذا من الإحسان والمن والبر به، من غير فداء، ومن غير قتل، فانطلق إلى أقرب بستان فيه ماء فاغتسل وعاد إلى المسجد، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وقال: (والله يا رسول الله! ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فصار أحب الدين إليَّ، وما كان من وجه أبغض إلي من وجهك، فصار أحب الوجوه إلي، وما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فصارت أحب البلاد إليَّ).
انظر كيف يفعل الإسلام بمن يخالفه، فـ ثمامة لم يكن قد رأى النبي ﷺ قبل ذلك ولا سكن ببلده، ولكن حبس ثلاثة أيام في المسجد، فتغير كل شيء عنده، وصار أحب شيء إليه الإسلام، ووجه النبي ﵊، وبلد النبي ﵊، ثم إنه اعتمر فقيل له: صبأت وتابعت محمدًا، فقال: بل أسلمت لله ﷿، ووالله لا تأتيكم حبة من سمراء اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ.
وكان ثمامة سيد بني حنيفة، فنهى عن بيع القمح وقاطعهم مقاطعة شديدة حتى أكلوا الوبر والعلهز، وحتى أكلوا فضلات الحيوانات وأكلوا الميتة، حتى راسلوا رسول الله ﷺ يناشدونه الله والرحم أن يأذن لـ ثمامة في أن يرسل إليهم الميرة من القمح؛ لأنهم قد جاعوا، فأذن له النبي ﷺ بالبيع والشراء، وامتنع عندما كانت المصلحة في ذلك.
فالعبرة بالمصلحة، فما دام البيع حلالًا، ولم يكن فيه إعانة على معصية فهو جائز، أما إذا كان فيه إعانة على معصية كمن يبيع العنب لمن يتخذه خمرًا، أو يبيع السلاح في الفتنة، أو يبني لهم كنيسةً أو معبدًا، أو يؤجر لهم ما يستعملونه في المنكر والعياذ بالله، أو يعينهم على شيء من كفرهم وباطلهم، فإن هذا من المحرمات، قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، وربما دخل في الكفر والعياذ بالله إذا كان مقرًا بكفرهم.

60 / 6