678

Lessons by Sheikh Yasser Burhami

دروس للشيخ ياسر برهامي

حكمة ابتلاء المسلمين بالمصائب
وعلى قدر ما يقع في قلوب أهل الإيمان من إيمان وإسلام وإحسان يرفع الله ﷿ عنهم تسلط عدوهم عليهم، وبقدر صدقهم وامتثالهم وتذللهم لله ﷿ بقدر ما يرفع الله ﷿ ما نزل بهم، والله ﷾ يبتلي عباده ليسمع تضرعهم، قال ﷿: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) [الأنعام:٤٣]، فالله ﷿ يبتلينا لنتضرع.
وقال ﷿: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢]، فلنفقه لماذا نبتلى بأنواع البلايا من الغلاء، والأوبئة، والمحن، وتسلط العدو، واحتلال البلاد، وأخذ الكبار والصغار والأولاد أسرى، وغير ذلك من أنواع البلايا، فإن ذلك لكي نزاد انكسارًا لله ودعاء وتضرعًا له ﷾، فالكسير يجبره الله الجبار ﷾، ومن تجبر وطغى يكسره الجبار ﷾ العزيز الانتقام.
والله ﷿ ينزل بأسه بالناس ليعودوا إليه ﷿، فإن لم يعودوا وازدادوا طغيانًا فتح عليهم أسباب الرخاء في الدنيا ثم يأخذهم بغتة، كما قال ﷿: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
فنحن بحاجة إلى الدعاء، وأن نقتدي بإبراهيم ﵇ في الدعاء والتضرع إلى الله ﷾، وكمال التوكل عليه، وصدق اللجوء إليه حتى يرفع ما بأمتنا من أنواع البلايا والمحن.
وإبراهيم ﵇ إمام في تصديق وعد الله ﷾، وفي إيمانه بأنه سميع الدعاء ولو طالت المدة، فإبراهيم سأل الله أن يهب له من الصالحين وهو مهاجر فقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠٠].
ودعا إلى الله وهو شاب ومع ذلك قدر الله ﷿ أن تستجاب هذه الدعوة بعد كبر السن، فإنما وهب له إسماعيل وهو ابن بضع وثمانين سنة، ووهب له إسحاق بعد ذلك بثلاث عشرة سنة، وعند أهل الكتاب أنه بعد أن تجاوز المائة، فقال إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩].
فاليقين بالله ﷿ والثقة به من أعظم أوصاف الأئمة في الدين، قال ﷿: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٥ - ٥٦].
فإياكم والقنوط -عباد الله- من رحمة الله، فقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨]، وذلك بعلمه وحكمته، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧].
فهو ﷿ كما جعل في المطر حياة للبشر من بعد يأسهم، فكذلك في كل الكروب ينزل ما يغيث به الناس، وينشر رحمته من بعد أن يقنطوا وييأسوا، غير أن أهل الإيمان لا يقنطون من رحمة الله أبدًا، وإنما يشفقون على أنفسهم من أن يصيبهم بسبب ذنوبهم عقاب الله ﷿، ولكنهم لا يقنطون من رحمة الرحمن الرحيم، وكيف يقنطون وهم يرون آثار الرحمة تملأ هذا الكون؟! ورحمته سبحانه وسعت كل شيء، فلا تقنطوا من رحمة الله، وقولوا كما قال إبراهيم: «وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ»، وهو ﷾ يضيق الأرزاق؛ ليعلم الناس أن الأمور ليست بأيديهم، وأنه هو وحده ﷾ الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﷾، وأنه بعباده الخبير البصير، وهو الذي يدبر الأمر بالعلم والحكمة، وبخبرته ﷿ وبصره بعباده، يعلم أحوالهم، ويسمع دعاءهم، ويعلم عواقب أمورهم، وهو الذي يرى عباده أزلين قنطين مشفقين يائسين فيضحك؛ لعلمه أن فرجهم قريب.
وهو ﷾ يفعل ذلك ليسمع تضرعنا، وليرى ثقتنا بوعده وحسن ظننا به ﷿، والله عند ظن عبده به كما أخبر بذلك النبي ﷺ، فأحسنوا ظنكم بالله، وثقوا في وعده، وهو سميع الدعاء، وإذا دعونا الله ونحن موقنون بذلك مع الضعف والانكسار كان ذلك من أعظم أسباب النصرة، كما قال النبي ﷺ: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم) أي: بدعائهم وتضرعهم لله ﷿، وكم من مستضعف يقسم على الله فيبره ﷾، كما قال ﷺ: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
فلماذا كانت هذه الصفة المذكور أولًا؟ إنها لبيان ضعفه وانكساره، وقال النبي ﷺ: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره) أي: من أهل الإيمان الكمل الذين يوقنون بوعد الله، ولو أقسموا على الله في الدعاء لأجاب قسمهم.
فهذا المرء عند أهل الدنيا مستضعف فيهم ليس عنده من أسباب القوة الظاهرة ما يجعلهم يعتبرون بمنزلته، ولا يعتدون بمقامه.

53 / 10