603

Lessons by Sheikh Yasser Burhami

دروس للشيخ ياسر برهامي

تمحيص الله للمؤمنين بالشدائد
تجد والله أمرًا عظيم الأهمية لا يمكن إلا أن تحمد الله ﷿ عليه، تحمد الله على ما أصاب المسلمين في أحد من هذه السنين الطويلة ألف وأكثر من أربعمائة سنة، تحمد الله ﷿؛ لأنه حصل فيها من الخير الذي نلمسه بأنفسنا الآن، ولولا ذلك الذي وقع لما وجدنا أنواع الخيرات، ولما كانت هذه الآيات تخاطب قلوبًا وعتها جيدًا، هذه القلوب التي وعت الدروس وتتكرر عبر التاريخ قصة غزوة أحد، فليست خاصة بالزمن الذي وقعت فيه، فهي في الحقيقة قصة متكررة، وأهل الإيمان في كل زمن يصيبهم هذا الانكسار، فيقدر الله عليهم الآلام رغم أنه يكره مساءتهم ﷿، ويكره ﷾ ما يقع في قلب المؤمن من كراهية الموت، ويتردد ﷾، ومعنى التردد: أنه يجتمع إرادتان؛ إرادة أمر محبوب وإرادة أمر مكروه عند الله ﷿، ولكن لا بد من الموت، لا بد من أمر معين، لا بد من أن يقدر الله ﷿ ذلك المكروه ليحصل ذلك المحبوب، أما ترون أن الله يكره مساءة المؤمن للموت، فما أشد على المؤمن أن يرى مثلًا موتًا بأيدي الكفرة الظلمة المجرمين! وأن يرى تمثيلًا بالجثث! وأن يرى انتهاكًا للحرمات في خيرة خلق الله! هذا المؤمن العادي يكره الله مساءته، فما بالكم بـ حمزة رضي الله تعالى عنه وهو يراه النبي ﷺ قد بقر بطنه وأخرجت كبده ولاكتها هند ولفظتها مقطعة، وجدعت أنفه، ما ترون في كراهية الله ﷿ لذلك؟! يكرهه النبي ﷺ، ويكرهه أهل الإيمان، وتتألم نفوس المؤمنين عبر التاريخ من هذه الصورة.
ما ترون في مصعب بن عمير ﵁ وهو الذي جعله الله ﷿ سفير أهل الإسلام إلى المدينة، وقد دخل أهل المدينة في الإسلام على يديه، ويموت وهو حامل اللواء رضي الله تعالى عنه؟! مصعب بن عمير الذي أسلم أكثر أهل المدينة من الأنصار على يديه رضي الله تعالى عنه.
ما ترون في هذه الأمور؟! لا شك أنها أمور يكرهها الله ويقدرها؛ لأن هناك من ورائها أنواعًا من الحكم والغايات المحمودة، والخيرات والعبودية لأهل الإيمان لا تحصل إلا من خلال هذا الأمر المكروه؛ ولذا نحمد الله عليه.
كما أنك سوف تطبق هذه المسألة على كل ما يصيبك كشخص، وعلى كل ما يصيبك كطائفة مؤمنة في كل زمن من الأزمنة، وطبق هذا على واقعك، فالله يداول الأيام علينا وعلى أعدائنا.
من ضمن الحكم: «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا»، ليعلم علمًا يحاسبهم عليه، ليعلم علم شهادة بعد أن علمه علم غيب، فهو ﷿ قبل أن يخلق الخلق علم ما الخلق عاملون، علم من سيؤمن ومن سيكفر، علم من سيطيع ومن سيعصي، ولكن هو يحب أن يرى ذلك أمرًا واقعًا؛ ولذا فسر ابن عباس هذه الآية الكريمة: «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا»، قال: وليرى، كما ذكره ابن كثير ﵀؛ لأن (يرى) فيها دلالة على علم الشهادة أن الله يعلمه أمرًا قد وقع وأحبه ﷿ واقعًا، كما أراده ﷿ قبل أن يقع، أراد ﷾ وجود هذا الإيمان وأحبه قبل أن يوجد، وأحبه ﷾ حين وجد، ولذا قال: «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا»، آمنوا بالفعل، ووقع الفعل منهم، ولفظ (الذين آمنوا) هم كانوا مؤمنين قبل ذلك، فذكرهم هنا بلفظ الإيمان، لأن الإيمان هنا يرتفع ارتفاعًا هائلًا في مثل هذه اللحظات، أي: لحظات المعارك الفاصلة، ولحظات التضحية والبذل، ولحظات الألم الذي يصيب أهل الإيمان والمحن التي تصيبهم، فهناك أنواع من الإيمان تحصل في مثل هذه المواقف لا تحصل في غيرها، ولذا قال: «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا»، ولم يقل (وعملوا الصالحات)، لأنها شملت العمل الصالح، وكما ذكرنا أن أنواعًا من الإيمان تقع في هذه اللحظات لا تقع في غيرها ولا تحصل بدونها، من حب الله ﷿، والتوكل، والرجاء، والاستعداد للبذل والتضحية، وهوان الدنيا في أعينهم، كقولهم: (ما تصنعون بالحياة بعده؟).
فهذه مواقف تغير مسار التاريخ، ويستشعرها أهل الإيمان عبر العصور المختلفة فيجدون أمرًا لا يمكن أن يوصف إلا أن يوجد ويذاق، كما يقول عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم: (اللهم إني أسألك أن تلقيني غدًا رجلًا من المشركين شديدًا حرده، شديدًا كفره، فيقاتلني فيقتلني) شيء عجيب والله! لا يريد أن يقتله هو! أما نحن فنقعد نفرح، أننا انتصرنا على الكفرة وأبدناهم، هذا خير، لكن فكر في هذا المعنى الإيماني عند هذا الصحابي الجليل عبد الله بن جحش (شديدًا حرده، شديدًا كفره، فيقاتلني فيقتلني، ثم يجدع أنفي، ويبقر بطني؛ فتسألني يوم القيامة: فيم ذلك يا عبد الله؟ فأقول: فيك يا رب).
فهذا معناه أنه مستعد للبذل والتضحية، فهو يريد أن يُفعل به هذا الفعل في سبيل الله ﷿، وتجده عند عمر عندما يرى ضعفاء المسلمين يضربون في مكة فلا يهدأ له بال، وهو يرى نفسه ممتنعًا من الكفار بقوته فيذهب يضرب المشركين ويغيظهم، ويقرأ القرآن جهرًا عند الكعبة ليضربوه ويضربهم! فهذه معاني نادرة جدًا أن توجد في القلوب؛ لأن النفوس أصلًا تفر من هذه الأمور، وتفر من هذا الألم ولا تريده، ولكن تحصل لحظات تجعل الإنسان يرى هذا الأمر نعيمًا في الله ﷾؛ لأنه أصابه في الله ﷿.
وهذه المعاني الإيمانية التي حصلت لـ أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، حيث وقع منه إيمان عظيم القدر لم يوجد مثله، ولا يمكن أن يوجد مثله، وذلك عندما يجد في الطريق سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن فرحًا بأن سعد قد صار من أهل السماء، سعد بن معاذ الذي قال النبي ﷺ فيه: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه).
أنس بن النضر هو الذي يثبته على الهدى! أنس بن النضر هو الذي يقول لـ سعد حين لقيه وقد ترك المعركة أو القتال فقال له: مالك؟ فقال: قد مات رسول الله ﷺ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! فقوموا فموتوا على ما مات عليه، قال: واهًا يا سعد لريح الجنة! والله إني لأجده دون أحد! معاني إيمانية عظيمة حصلت في هذه اللحظات، وتفيض روح أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، يقول أنس ﵁: فما عرفته أخته إلا ببنانه، فوجدناه قد قتل وبه بضعة وثمانون ما بين ضربة بسيف، ورمية بسهم، وطعنة برمح، وما عرفته أخته إلا ببنانه أي أنه قد أصيب من جميع الجهات رضي الله تعالى عنه، فهذه المواقف الإيمانية العظيمة التي حصلت الله يحبها ﷾، كما قال: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ»، فقد آمن من استشهد، وآمن من صبر، آمنوا إيمانًا زائدًا على ما كانوا عليه قبل ذلك، آمنوا إيمانًا أكمل وأعظم مما كان قبل ذلك، فازدادوا إيمانًا عند الله ﷿ في هذه اللحظات، والتي كانت قوة دافعة لهم في أثناء المعركة وبعد المعركة، بل أخذوا زادًا منها إلى أن فتحوا العالم بفضل الله ﷿.
الإعداد الذي أعده المسلمون في بدر وأحد والأحزاب هو الذي فتح المسلمون به العالم، هذا الإعداد الذي تحولوا بعده إلى غزو الكفار واستمروا على ذلك كان بداية الانطلاق، فهذه هي الأحوال الإيمانية التي حصلت في قلوبهم وليس فقط للأبدان، فهم حصلت لهم معاني إيمانية بالأبدان كالعمل الصالح والثبات، والتضحية في سبيل الله ﷿، والقتال في سبيله رغم الهزيمة التي وقعت، والعودة حين سمعوا النداء لمن عاد والدفاع عن رسول الله ﷺ، فهذه معاني إيمان عملية وقلبية تمت بفضل الله ﷿ في قلوبهم، وارتفعت أسهم الإيمان في قلوبهم.
قال تعالى: «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا»، وهذا يحصل في كل ما يشابه هذه الواقعة، فيحصل من أنواع الخير في قلوب المؤمنين ما لا يمكن أن يوجد بدون تقدير الأمر المؤلم الذي هو القرح، الذي يؤلم أهل الإيمان ويسوءهم والله يكره مساءتهم، ولكن يقدر ذلك المكروه المسيء للمؤمنين لما يتضمنه من الخير الذي يحبه الله، ولما يتضمنه من الإيمان الذي يحبه الله ﷾، الخوف من الله دون من سواه شجاعة باهرة لـ أنس بن النضر ﵁ وأمثاله، وحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جبير قائد الرماة، والعشرة الذين ثبتوا معه حتى قتلوا جميعًا دون من فر من الرماة الذين بقوا، وكل من استشهد رضي الله تعالى عنهم.
السبعة من الأنصار الذين يقول النبي ﷺ والمشركون يطلبونه: (من يردهم عني وله الجنة؟!)، فيقوم رجل من الأنصار فيقاتل حتى يقتل ﵁، فيقول النبي ﷺ: (من يردهم عني وله الجنة؟)، فيقوم رجل آخر من الأنصار، ثم ثالث، ثم رابع، ثم خامس، ثم سادس، ثم سابع من الأنصار، سبعة من الأنصار! حتى قال النبي ﷺ: (ما أنصفنا أصحابنا) أي: الذين فروا، أو (ما أنصفنا أصحابنا)، أي: المهاجرون الذين لم ينصفوا الأنصار حين تركوهم كذلك، فقام طلحة ﵁ فقاتل قتال السبعة جميعًا، بل هو الذي ردهم عن الرسول ﷺ، وهذه كلها معاني إيمانية، وهذا إيمان تجدد، فـ طلحة ﵁ هو الذي أرهقهم، وهو الذي أجلاهم عن النبي ﵊، سبعة قتلوا في محاولة رد المشركين وما يزال المشركون يطلبونه، وطلحة ﵁ هو الذي يقاتل حتى يجلي المشركين عن رسول الله ﷺ، ومع كل هذا القتال يقي النبي ﷺ بيده رضي الله تعالى عنه -نحن نقول: الواحد يأتي له خطر يبعد يده كذا- ولذلك يقول بعض من رآه من التابعين: رأيت يد طلحة شلاء التي وقى بها رسول الله صلى ا

48 / 7