Lessons by Sheikh Yasser Burhami
دروس للشيخ ياسر برهامي
دخول الشرك في الأسماء والصفات
قال تعالى: «يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ»، الشرك يدخل في قضية الأسماء والصفات، فمن عطل أسماء الله وصفاته وجحدها ونفاها وحرفها، وكذلك من شبه الله بخلقه أو شبه المخلوقين بالخالق فكل ذلك من الشرك، وكل ذلك من الظلم العظيم، وهو وضع الشيء في غير موضعه.
فالإنسان لا يضع ربه في غير موضعه؛ فإن الله ﷿ فوق عرشه، وهو إله العالمين ورب العالمين، ومهما عبد المشركون غيره فذلك لا يغير من الأمر في حقيقته من شيء؛ فإن الله ليس معه من إله كما قال ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء:٢٢].
وقال تعالى: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» أي: كون الإنسان يشرك بالله فقد وقع في الظلم الأكبر لنفسه، وليس معنى ذلك أنه يظلم الله كما قد يظن البعض ذلك، فهذا خطأٌ، فالعبد لا يظلم ربه، قال ﷿: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧].
فإن الله ﷾ لا يقدر العباد على ظلمه، ولا يتصور ذلك منهم، ومهما صنعوا فهم في قبضته، بل ما وقع منهم ذلك الشرك إلا بمشيئته وقدره، وإن كان هو ﷿ حرمه عليهم، وإنما قدره لحكمة بالغة، فالله ﷾ جعل الشرك أعظم الظلم، فهذه هي التربية الإيمانية.
ونلاحظ في ثنايا الوصية تعليم الأسماء والصفات كما ذكرناه في قصة يوسف، وهذه تجدها كذلك في قوله هنا: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] فقوله: «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» هذه تربية إيمانية على تعريف الابن المربى أسماء الله وصفاته، وأنه ﷾ سوف يأتي بعملك.
قوله: «إِنَّهَا إِنْ تَكُ» أي: إن تكن الفعلة التي فعلتها أو المعصية التي فعلتها، «مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» مهما كانت قليلة، «فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ»، ولو كانت مغلقة عليك، فيربيه على المراقبة لله ﷿ أن الله يبصره، وأنه يعلم ذلك، وأنه خبير بما يفعل، وأنه لطيف سوف يأتي بما دق وقل، وسوف يحاسبه عليه، فيربي فيهم المراقبة والمحاسبة، وهي عبادات قلبية وهي أساس الإيمان، وربط ذلك بالأسماء والصفات كما نجدها واضحة في وصية يعقوب ليوسف ﵇ كما ذكرنا.
وهذه الأمور من أهم ما يلزم كما ذكرنا في وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك).
وهذا تعليم للقضاء والقدر بأوضح عبارة، مع تجنب الفلسفة الكلامية، والعبارات الغامضة، والمباحث السخيفة التي أهلكت الناس والعياذ بالله، وإنما بين له النبي ﵊ مراتب القدر واضحة جلية، وعلمه أن يستعين بالله وحده، وأن يسأل الله ﷿ وحده ولا يدعو سواه، وأن يحفظ الله ﷿ ويراقبه، وذلك بأن يحفظ سمعه وبصره ويده ورجله، وبين له أن الله يحفظه بذلك، وأنه سوف يجازيه على ذلك، بأن يجده عند الشدة معينًا له، كما قال: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).
46 / 18