605

Lessons by Sheikh Saeed bin Misfir

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

الأمانة في الكتاب والسنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله: الأمانة جوهر الدين، وحقيقة الإسلام، وعنوان المؤمن، وصفة الموحد، وضد الخيانة.
وتعريفها عند أهل العلم: حفظ ما يعهد به إليك، وتستأمن عليه، ويطلب منك حفظه ورعايته وحمايته هذه هي الأمانة.
والأصل فيها كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، أما من الكتاب فقوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] وقوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] وقوله ﷾: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢].
ومن سنة النبي ﷺ، قوله في توجيه نبوي كريم: (أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) بل جعلها النبي ﷺ هي الإيمان، ونفى الإيمان عمن لا أمانة لديه فقال ﷺ: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له).
فهذه الأمانة وهذا الخلق العظيم اتصف به وبأعلى قدر وبأعظم نسبة رسول الله ﷺ، ولا شك أنه ﷺ له من الكماليات البشرية ما ليس عند غيره؛ كل صفة من صفات الكمال فعند الرسول ﷺ أعلى نسبة منها، ولكن في الأمانة كان ﷺ مبرزًا، حتى كان يلقب عند أهل مكة قبل البعثة والرسالة بالأمين، وكان الناس يستودعونه أماناتهم وأموالهم، حتى إنه ﷺ من حرصه وحفظه للأمانة لما أمره الله تعالى بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية المباركة، كانت عنده أمانات لبعض أهل مكة، وخشي ﷺ أن يسددها للناس بنفسه فتنكشف مسألة خروجه، فيحصل على أذى؛ لأن كفار قريشٍ دبروا مؤامرة خبيثة للقضاء على النبي ﷺ، وكانت المؤامرة في السر بعد مؤتمر عقدوه وحضره الشيطان، وأشار عليهم بأن يختاروا من كل فخذ من قبيلة قريش شابًا، ثم يُجمعوا بضرب النبي ﷺ بالسيوف ضربة واحدة فيتفرق دمه بين القبائل، فلا تستطيع بنو هاشم أن تثأر له، فتقبل الدية.
ولما عزموا على تدبير وتنفيذ هذه المؤامرة كشفها الله، وأوحى إلى نبيه ﷺ بتفاصيلها، وأمره بالهجرة، فهاجر ﷺ، لكنه كلف علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه بالتأخر في مكة من أجل رد الأمانات إلى أهلها، وبين له الأمانات، الناس عندما علموا أن النبي ﷺ خرج، كل واحد فيهم طلب حقه وأمانته، فـ علي موجود، قال: تعالوا وخذوا حقوقكم، وهذا من باب حرصه ﷺ على أداء الأمانة.
وكذلك أصحابه ﵃ وأرضاهم من بعده، وكذلك التابعون وسلف هذه الأمة وخيارهم ممن سار على نهجهم إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتميز الإنسان المؤمن عن غيره من الناس بحرصه على أداء الأمانة، فحفظها -أيها الإخوة- دليل الإيمان وعنوان السعادة، وضياعها دليل النفاق وعنوان الخسارة في الدنيا والآخرة.
نعم.
لا خيار لك في أن تكون أمينًا أو ألا تكون أمينًا، فمقتضى أن تكون مؤمنًا أن تكون أمينًا؛ لأن الإيمان والأمانة متلازمان، فلا يمكن أن يكون إيمان بدون أمانة، لماذا؟

24 / 2