420

Lessons by Sheikh Muhammad Al-Mukhtar Al-Shanqiti

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محبة الله ورسوله
الخصلة الأولى: بينك وبين الله ﷿ وهي: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) والكلام في محبة الله والرسول صلوات الله وسلامه عليه ينحصر في أمرين وثالثهما هو الثمرة.
أما الأمر الأول: فإن العلماء ﵏ يقولون: كل محبة من العبد لها سبب، وهذا السبب إما أن يكون دنيويًا محضًا، أو أخرويًا محضًا أو جامعًا بين الدنيا والآخرة؛ ولكن محبة الله ﷿ جمعت هذه الثلاثة الأسباب، فمحبة الله تكون لسبب ديني محض وهو: نجاتك في الدنيا والآخرة، وتكون لسبب دنيوي محض فلا سعادة في الحياة إلا بطاعة الله.
ولست أرى السعادة جمع مالٍ ولكن التقي هو السعيد وتكون جامعة بينهم بما ذكرنا.
أما محبة الله فقد قال العلماء ﵏: إن الأسباب كلها تهيأت من أجلها، فلو أن إنسانًا أحب والده لعظيم إحسانه وجليل يده عليه وكريم امتنانه، فكيف بالله جل وعلا الذي ما من طرفة عين إلا وأنت ترفل في نعمة منه لا يعلمها إلا هو ﷾؟ إن كانت المحبة للإحسان فأين أنت من إحسان الله؟ وإن كانت المحبة للنعم فأين أنت من نعم الله؟ وإن كانت المحبة لدفع النقم فأين أنت من النقم التي دفعها الله؟ تفكر وتدبر لو أنك في يوم من الأيام قد ضاقت بك السبل وتعسرت عليك الأسباب في دين أو كربة أو هم من الدنيا أو حاجة، فاحتجت إلى من يعينك ويساعدك، وإذا برجل وفي يدنو منك في تلك الساعة العصيبة فمد لك يد المساعدة، وأعطاك ما تحتاجه، لو أن عبدًا فعل ذلك لأسرك بمعروفه، ولأصبحت تتحدث بذلك المعروف وتثني عليه ليلًا ونهارًا، وعشيًا وإبكارًا، وتثني عليه أمام أبنائك صغارًا وكبارًا، فأين نعم الله؟ وأين منن الله؟ كم من كربة فرجها الله عنك، وكم من كربة في ظلمات الليل جاءك السقم والمرض وحولك الأبناء والبنات والإخوان والأخوات، فتألمت وتأوهت، ونظرت يمينًا ويسارًا فلم تجد معينًا سواه، ولا مجيرًا عداه، ولا مغيثًا غيره جل في علاه، فقلت: رباه! رباه! فناديته بقلب لا يعرف سواه، وتعلقت به ﷾، وفي لحظة واحدة آتاك رحمته، وأسداك منته، ففرج عنك الكرب الذي تألمه، وأزال عنك البلاء الذي تجده، فهل ذكرت معروفه يومًا من الأيام؟ وهل أثنيت عليه أمام الأنام؟ وهل ذكرت فضله تبارك الله رب العالمين؟ أحبتي في الله! ليس هناك محبة أصدق من محبة الله ﷿، وليس هناك أحد يحب على الحقيقة كمحبة العبد لربه، ومهما أحببت شيئًا فأنت مغالٍ فيه إلا الله تبارك الله رب العالمين، فإنك مهما أحببته وأجللته، ومهما أعظمته وأكبرته، فأنت المقصر في حقه ﷾.
محبة الله ﷿ لها أمارات ولها دلائل وعلامات بيّنها العلماء ﵏، ومن أحسن من عبر عن تلك المحبة أحد العلماء ﵏ بقوله: (تحصل محبة الله بفعل واجباته وترك مخالفته، فإذا تهيأ للعبد ذلك كان محبًا لله) إذا اجتمعت الخصلتان في العبد -فعل فرائض الله وترك محارم الله- فهو حبيب الله ﷿.
قال بعض العلماء: (يستدل على محبة العبد لله بتوفيق الله ﷿ للعبد لطاعته) وبمقدار ما يقصر العبد في الواجبات وبمقدار ما يقع في فعل المحارم والمنكرات كلما كان ذلك نقصانًا في محبته لله ﷿، ولذلك ما استقرت محبة الله في قلب عبد إلا وجدته أنشط ما يكون لفعل فرائض الله، وأبعد ما يكون عن حدود الله ومحارم الله ﷿، فمن أحب الله انتظر في كل لحظة أمرًا من أوامره حتى يلبي ذلك الأمر، وانتظر في كل لحظة من لحظاته نهيًا من النواهي حتى يتقرب إلى الله ﷿ في ترك ذلك المنهي.
لذلك أحبتي في الله! دلائل محبة الله في هذين الأمرين، وفي تحقيق هاتين الخصلتين: فعل فرائض الله وترك محارم الله، وكلما وقف الإنسان أمام فرضٍ من فرائض الله أو أمام حدٍ من حدود الله فليعلم أنه ممتحن في محبة الله ﷿.
أما محبة الرسول ﷺ فهي -بعد محبة الله- أشرف مأمول وأعظم محصول، من وفقه الله لمحبة الرسول الكريم ﷺ فقد وفقه لطريق من طرق الجنة، فما أحب عبد رسول الله ﷺ إلا تعطش لسنته وتلهف لاتباع أثره، ومحبة الرسول ﷺ وطاعته واتباعه هي الطريق الوحيد إلى الجنان والفوز بالرضوان؛ ولذلك كما قال بعض العلماء: (إن الله أقفل كل السبل المفضية إليه إلا سبيلًا واحدًا وهو الطريق الذي اختاره لنبيه ﷺ وقد أشار الله ﷿ إلى هذا المعنى في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] إذا أردت أن تعرف مقدار محبة العبد لرسول الله ﷺ، فانظر إلى حرصه على السنة علمًا وعملًا ودعوة وتطبيقًا؛ ولذلك قال العلماء: (أصدق الناس في محبة رسول الله ﷺ هم أهل السنة، العاملون بها الداعون إليها) فإذا أردت أن تعرف صدق محبة الإنسان لرسول الله ﷺ، فانظر إلى خصاله وانظر إلى خلاله، وزِنها بخلال النبي ﷺ وبآدابه، فإن وجدته يترسم نهجه ويقتفي أثره ويتعطش لمعرفة سنته، فوالله إنه الحبيب ونعم الحبيب، والقريب من الله ونعم القريب؛ لذلك فإن أول ما يعتني به المؤمن الصادق في محبة النبي ﷺ معرفة السنن والبحث عنها والحرص على العمل بها وتطبيقها، والدعوة إليها ما استطاع لذلك سبيلًا.
حبيب رسول الله ﷺ ما توضأ إلا وتذكر كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ولا مد كفه بالماء ولا أدارها على عضو إلا وهو كأنه يلاحظ رسول الله ﷺ أمامه يتوضأ كوضوئه ويغتسل كغسله، حتى إذا دنا من صلاته وعبادته تذكر هدي المصطفى ﷺ في قيامه في قراءته في ركوعه في سجوده في دعائه فأخذ يحدوه ويقتفي أثره حذو القذة بالقذة، والله إنه لتوفيق للعبد إذا أراد الله له خيري الدنيا والآخرة أن يلهمه محبة هذا النبي الكريم ﷺ.
حتى إذا أصاب الإنسان هذه الخصلة الكريمة وهي محبة الله ورسوله ﷺ، جاءت الثمرة المباركة، فصار لا يمسي ويصبح إلا وقلبه معلق بالله، يقوم لله، ويقعد لله، ويتكلم لله، يراقب الله في حركاته في سكونه في أنفاسه في كلماته، ويترسم كل شيء فيه محبة الله حتى إذا بلغ إلى هذا المقام الشريف وهذا المنزل المنيف وأصاب محبة الله ﷿، وأصاب رضوان الله ﷾، عندها تأتي الثمرة الثانية التي هي ثمرة محبة الله ﷿، قال بعض العلماء: (ما أحب مؤمن ربه إلا تعلق بالله في كل شيء يفعله ويقوله) ولذلك أُثر عن القاضي الإمام الجليل الحافظ ابن دقيق العيد رحمة الله عليه: أنه قضى في قضية فراجعه رجل قضى عليه الإمام في تلك القضية، فقال له الرجل: والله ما أنصفتني، ولقد جُرت في حكمك، فقال الإمام الحافظ رحمة الله عليه: أتقول ذلك؟ فوالله الذي لا إله إلا هو ما تكلمت بكلمة منذ أربعين عامًا إلا وأعددت لها جوابًا بين يدي الله ﷿ وهذا إنما يكون من كمال المحبة لله ﷿؛ ولذلك ذكر بعض العلماء في شرح هذا الحديث: (إن المؤمن إذا عمر قلبه بمحبة الله جاءت الثمرة الثانية وهي أن يحب حبيب الله ويعادي عدو الله، يصبح قلبه ويمسي لا يُقرب إلا من قربه الله، ولا يبعد إلا من أمره الله ﷿ بإبعاده، وهذا هو الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (وأن يحب الرجل لا يُحبه إلا لله).

25 / 6