Lessons by Sheikh Muhammad Al-Mukhtar Al-Shanqiti
دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي
رفق الداعية إلى الله بالمدعوين
على الداعية إلى الله أن يلتزم بالقول الحسن والأسلوب الذي فيه رفقٌ بالناس، فإن الله بعث رسوله ﷺ رحمةً للعالمين، ما بعثه صخابًا ولا لعانًا ولا سبابًا، إنما بعثه لكي يكون رحمةً للأمة ولكل من اتبعه، فما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ وكان ﷺ رفيقًا بالأمة، فكل ما كان من تشريع أو أمر فيه ضيقٌ على الأمة إلا سأل ربه أن يخفف وأن يلطف بعباده.
فينبغي على الداعية إلى الله أن يلتزم هذا النهج في تحبيب الناس للخير، وهذا يحتاج منه إلى القول الطيب، وأن يكون في دعوة الناس حليمًا رحيمًا رفيقًا، قال ﷺ: (ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا نزع من شيءٍ إلا شانه).
وإذا أراد الله أن يحرم الداعية التوفيق، سلّط عليه الشيطان فأزله بلسانه، فاتجه إلى الناس سابًا أو شاتمًا أو كاشفًا لعوراتهم أو مبددًا لأعمالهم، حتى ينفر الناس من دعوته.
قال ﷺ في الحديث الصحيح: (إن منكم منفرين) فليتق الله الداعية، ولا يكن حجرة عثرة في قبول الخير.
ينبغي أن يأخذ الناس باللطف واللين، وعليه أن يعرف كيف يخاطب الناس، وكيف يقرع القلوب، وكيف يوجه، وكيف يدل، وإذا لم يجد في نفسه ذلك، فليسأل العلماء ما هو السبيل.
وإذا أراد الله أن يوقف الإنسان على أكمل هديٍ في التوجيه، فإنه يوقفه ويحبب إلى قلبه هدي رسول الله ﷺ، ففي الحديث الصحيح: (عندما بال الأعرابيُ في المسجد، طفق الصحابة يريدون أن يؤذوه، فقال ﵊: لا تزرموه، فلما قضى بوله وأتي به إلى رسول الله ﷺ قال ﵊: إن هذه المساجد لم تبنَ لهذا) فلو كان ﵊ أخذه بالعنف والشدة لأضر به وأضر ببيت الله ﷿.
انظر إلى الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حينما رأى من المحسن الإساءة كيف تحمله، وأخذه بحلمه ورفقه، ففي الحديث الصحيح: (أن النبي ﷺ عندما أراد فتح مكة، هيأ أصحابه، وغيّب عن قريشٍ خبره، فكتب حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه- إلى قريشٍ كتابًا يحذرهم من رسول الله ﷺ، فانطلقت المرأة ومعها الكتاب، فنزل جبريل من السماء على رسول الله ﷺ يخبره الخبر، فبعث ﵊ عليًا، فأدرك المرأة في الروضة، فقال لها: أخرجي لي الكتاب، فأنكرت، فقال لها: إن لم تخرجيه لأجردنك، فتنحت عنهم وأخرجت كتاب حاطب ﵁ من تحت شعرها، فأخذ علي الكتاب، وأتي به إلى رسول الله ﷺ تصوروا مثل هذا الموقف، صحابي يكتب بسر رسول الله ﷺ إلى أعدائه، وفعل ذلك على غرة دون علمٍ من النبي ﷺ وأصحابه، (فلما وقف ﵊ على الخبر، وقرأ الكتاب واستبان الأمر، وحاطب أمامه، قال: يا حاطب! ما حملك على هذا؟) ما الذي حملك على أن تكتب لقريشٍ بهذا الأمر؟ هل سبه أو شتمه؟ لا، بل يسأله عن العذر أولًا؛ لكي يعلم ما الذي دفعه إلى ذلك (قال حاطب ﵁: والله -يا رسول الله- ما فعلت ذلك حبًا للكفر، ولا إيثارًا له عن الإسلام، ولكنني رجل لا عشيرة عندي، وإني أخاف على قومي، فأحببت أن أتخذ يدًا عند قريش، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال ﷺ: يا عمر! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم).
قد ترى من رجل بعض الزلات والهنات، فاذكر ما لهذا الرجل من الحسنات أو المواقف الطيبة، كما فعل رسول الله ﷺ، وقد عظم الله -من فوق سبع سماوات- لـ حاطب موقفًا شهده، نصر به الإسلام، فما كان ربك نسيًا.
فينبغي على الداعية إلى الله أن يأخذ الناس بالتي هي أحسن إلى السبيل الأقوم والهدي الأكمل والأجمل بلسانه الطيب وكلماته الرقيقة.
وما من إنسان يحرص على الدعوة بالأسلوب الطيب والكلمات الطيبة إلا وضع الله له الأثر؛ فإن الكلام الطيب حسن الوقع والأثر في القلوب، فالطيب لا ينبت إلى طيبًا، ولا يأتي إلا بالطيب، والله ﷿ قال: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة:١٠٠].
فاتقوا الله، فكلما كان الإنسان في دعوته يخرج منه الكلمات الطيبة ويأخذ بمجامع قلوب الناس بالتي هي أحسن؛ كلما نفع الله بدعوته.
أيها الأحبة في الله: الحديث عن الدعوة يطول، ولكن أحب أن أنبه على أن الدعوة إلى الله لا تقتصر على منبر، ولا تقتصر على تعليم أو توجيه في مكانٍ جامع، بل أنت داعيةٌ إلى الله في كل لحظة وفي كل طرفة عين ما دمت منتسبًا للإسلام ومتبعًا لرسول الله ﷺ، واعلم أنك إذا جئت بين قومٍ ضلوا السبيل، وأنت مهتدٍ بسبيل الله، فاعلم أن العيون تلحظك، وأن الناس ينظرون إليك كقدوة وإمام وداعية إلى الخير.
علينا أن نعلم أن الدعوة ليست محجورة أو محصورة على الخطبة أو الموعظة، أو على من يخطب أو يعظ، بل أنت داعية إلى الله في كل كلمة تقولها وتهدي بها إلى صراط الله، لو قلت لابنتك: اتق الله، فأنت داعيةٌ إلى الله، ولو قلت لابنك: خف الله، فأنت داعيةٌ إلى الله، ولو أمرت بأمرٍ أمر الله به أو نهيت عن نهيٍ نهى الله عنه، فأنت داعيةٌ إلى الله.
20 / 11