594

Lessons by Sheikh Abi Ishaq Al-Huwaini

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

همُّ أبي بكر ﵁ بالهجرة إلى الحبشة
جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: (لم أعقل أبويّ قط إلا يدينان الدين) أي: من ساعة ما ولدت لم يكن أبوها على غير دين الإسلام، وكذلك أمها أم رومان، قالت: (وكان رسول الله ﷺ يأتينا بكرة وعشيًا)، كان يأتيهم في الصباح الباكر، ويأتيهم في آخر النهار، وهذا كل يوم، فلما ضاق الأمر على أبي بكر واشتد أذى المشركين خرج مهاجرًا إلى الحبشة، وقد كان هاجر قبله إلى الحبشة مجموعة من المسلمين: أربعة عشر رجلًا وثلاث نسوة؛ خرجوا هروبًا بدينهم من أذى قريش.
فخرج أبو بكر خلفهم إلى الحبشة، فقابله ابن الدغنة فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، فأريد أن أخرج في الأرض -أو قال: أريد أن أسيح في الأرض- وأعبد ربي.
قال: يا أبا بكر! مثلك لا يخرُج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق ارجع وأنا جار لك-أي: أنت في حمايتي-.
فرجع ابن الدغنة فوافى كفار قريش قبيل المغرب، فجمعهم وقال: إن أبا بكر جار لي.
فقالوا له: مره فليصل في داخل الدار ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا ونساءنا.
فأخذ على أبي بكر ذلك، ثم بدا لـ أبي بكر أن يستعلن بعبادته -هذا أنموذج للرجال الأبطال! - فبدا لـ أبي بكر ﵁ أن يخرج خارج الدار ويصلي، وكان لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فكان يقرأ ويبكي، فتتقذف عليه النساء والأولاد يتفرجون على هذا النمط الجديد الذي ما رأوا مثله قط.
فشكا كفار قريش إلى ابن الدغنة وقالوا: إننا نكره أن نخفر جوارك، ولا نرضى بالذي فعله أبو بكر، فإما أن يدخل وإما أن يرد عليك جوارك.
فقال له ابن الدغنة: يا أبا بكر! ما على هذا اتفقنا، فإما أن تدخل الدار وإما أن ترد عليَّ جواري، فإني أكره أن يتحدث العرب أني أخفرت جواري.
فقال له: بل أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله ﷿.
وظل أبو بكر ﵁ هكذا والصحابة يهاجرون، حتى أراد أن يهاجر إلى المدينة، فقال النبي ﵊: (تريث؛ فإني أرجو أن يؤذن لي.
فقال: أو ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم).
وفي يوم من الأيام جاء النبي ﷺ إلى بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، وهذا وقت لم يكن النبي ﷺ يأتي فيه إلى بيت أبي بكر، إنما كان يأتي بكرة وعشية، فلما رآه أبو بكر قال: (بأبي هو وأمي)، وهذه كانت كلمة معهودة عند الصحابة، يقول أحدهم للنبي ﷺ: (بأبي أنت وأمي) أي: نفديك بآبائنا وأمهاتنا، فأنت عندنا أغلى من آبائنا وأمهاتنا.

50 / 11