533

Lessons by Sheikh Abi Ishaq Al-Huwaini

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

الصحابة وحرصهم على إرضاء النبي ﷺ
قال: (فأردت أن أستأنس) وهذا من فطنة عمر ومن ذكائه، فالرسول ﵊ غضبان، فلابد أن يحدث عمر جوًا من البهجة ومن الود حتى يستطيع أن يتكلم.
يقول: (فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريشٍ قومٌ نغلب نساءنا، فقدمنا على إخواننا من الأنصار فإذا هم قوم تغلبهم نساؤهم.
فتبسم الرسول ﵊.
يقول: يا رسول الله! أنت أخذت بسيرة الأنصار فهجرنك ونشزن عليك، فلو أخذت بسيرة القرشيين ما وصل الحال إلى ما وصل إليه.
وسكوت النبي ﵊ على ذلك فيه دلالة على أنه رضي سلوك الأنصار في معاملة النساء، ففي سنن أبي داود: (أن النبي ﷺ جاءه نساء يشتكينه أن أزواجهن يضربونهن، فمنع من ضرب النساء، فجاء عمر فقال: يا رسول الله! ذئرن النساء على أزواجهن).
فالرسول ﵊ أذن لهم في الضرب، قال: فما بقي بيتٌ إلا فيه ضرب.
فطاف على النبي ﷺ سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، فقال النبي ﷺ: (لقد طاف على آل محمدٍ سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، وليس أولئك خياركم) أي: ليس الذين يضربون هم خياركم لماذا؟ لأن النبي ﵊ خيرهم ولم يضرب نساءه ولا ينبغي ضربهن إلا أن ينتهكن حرمات الله ﷿.
قال عمر: (فتبسم النبي ﷺ؛ وعمر يريد أن يخلق جوًا من الأُنس، حتى يلطف عن الرسول ﵊ ما به، وقد كان بعض الصحابة يمزحون في حضرة النبي ﷺ، حتى أنه كان هناك صحابي يلقب حمارًا، وكان يضحك النبي ﵊، وكان النبي ﷺ يحبه، فلما جيء به وقد شرب الخمر، جلد فلعنه أحد الصحابة، فقال له النبي ﷺ: (لا تعن الشيطان على أخيك) وقال في الرواية الأخرى: (إنه يحب الله ورسوله) فيمكن أن يجتمع حب الله ورسوله في قلب العبد مع بعض المعاصي التي يتلبس بها.
وأيضًا صحابي جليل لا يعرفه كثير من المسلمين، اسمه زاهر، روى الترمذي حديثه في الشمائل، وكان زاهر دميم الوجه، وكان النبي ﷺ يحبه، وكان زاهر لطيفًا، فأبصره ﵊ ذات يوم في السوق، وكان زاهر من البادية يأتي إلى السوق أحيانًا ليبيع ويشتري، فلما رآه النبي ﷺ، جاء من ورائه وأغمى على عينيه، فجعل زاهر يقول: مَن مَن؟!! ويحرك يده، فلما وضع يده على يد النبي ﷺ عرفه، وكانت يد النبي ﷺ كما قال أنس: (ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ﷺ فلما عرف أنه النبي ﷺ جعل يلصق ظهره ببطن الرسول ﵊، فقال النبي ﷺ بأعلى صوته في السوق: (من يشتري هذا العبد؟ فقال زاهر: إذًا يا رسول الله تجدني كاسدًا -أي: بضاعة خاسرة- قال له: لا، ولكنك عند الله لست بكاسد -وفي الرواية الأخرى- قال: لا، ولكنك عند الله غال).
فإحداث جو من الأنس كان يعمله بعض الصحابة، فـ عمر بن الخطاب لما رأى النبي متكدرًا أراد أن يحدث هذا الجو، فلما تبسم النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ قال: فتبسم النبي ﷺ تبسمة أخرى، فجلست).
وجعل عمر بن الخطاب يدير عينيه في الغرفة، فلم ير فيها شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة.
ولو أن أحدكم دخل بيت بعض الأمراء أو بعض الأثرياء ونظر إلى الحيطان وإلى النمارق والسجاد، لرأى قمة الأبهة والفخامة، فـ عمر بن الخطاب ينظر إلى بيت النبي ﷺ ماذا فيه، فلم ير شيئًا يملأ العين غير ثلاثة جلود -جلود مدبوغة- هذا هو الموجود في بيت الرسول ﵊.
فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله.
قال عمر: وكان متكئًا فجلس) (جلس) أي: اعتدل.
وهنا طرفة حدثت بين الكسائي وبين هارون الرشيد، وكان الكسائي يهذب هارون الرشيد ويعلمه، فدخل الكسائي على هارون فقال له الرشيد: اجلس.
فقال له: بل (اقعد) يا أمير المؤمنين؛ -أي: لا تقل: اجلس، ولكن قل: اقعد، قال: وما الفرق؟ قال: القعود من القيام، والجلوس من الاتكاء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

45 / 12