Lessons by Sheikh Abi Ishaq Al-Huwaini
دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
Gobollada
Masar
موقف ابن عمرو من اتباع السنة
كان النبي ﵊ يعامل أصحابه الأقربين منه معاملة أشد من معاملة الأبعدين من الأعراب وغيرهم، يرى مثلًا عبد الله بن عمرو يلبس ثوبًا أحمر، فيعرض عنه، يلقي ابن عمرو السلام فلا يرد السلام عليه، ويعرض عنه، ويتغير وجهه ﵊.
فـ عبد الله بن عمرو المعلم المؤدب الملازم عرف وجه الخلل عنده بغير تنبيه من النبي ﵊، لما رأى نظر النبي ﵊ يتوجه إلى الثياب الأحمر، فذهب إلى أهله فوجدهم يسجرون التنور فقذف الثوب في النار، وغيَّره وجاء، فأقبل عليه النبي ﵊ وسأله: (ماذا فعلت به؟ قال: سجرت به التنور.
قال: هلا أعطيته بعض أهلك، فإنه لا بأس به للنساء) أي: أن الثوب الأحمر البحت الذي لا يخالطه لون لا بأس به للنساء، لكن لا يجوز أن يلبسه الرجال فإن قال قائل: إنه ثبت في الصحيح (أن النبي ﷺ كان يلبس ثوبًا أحمر) فهل هناك تعارض؟ نقول: لا؛ لأن الثوب الذي لبسه النبي ﵊ كان يختلط به لون آخر لكن الأحمر غالب، ولذلك يقال: (أحمر)؛ لأننا نلغي القليل ونعمل بالأغلب، فمثلًا: لو سألك شخص: كم الساعة؟ وقد تكون الواحدة وثلاث دقائق، فتقول له: الساعة واحدة.
لماذا أهملت الكسر؟ لأنه لا قيمة له، والعرب درجوا على إهمال الكسر، إلا إذا كان في تعيينه فائدة، كما ذكر الله ﷿ عن نوح أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وكان يمكنه أن يقول: تسعمائة وخمسين، لكنه لم يقل ذلك؛ لأن الكسر قد يلغى، فلما قال: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] علمنا حقيقة الكسر في الأمر.
فلبس النبي ﵊ الأحمر وفيه شيء من البياض لكن الأحمر غالب، فينسب الثوب إلى ما غلب عليه، إنما الذي نهى عنه النبي ﵊ الأحمر (١٠٠%)، لا يخالطه لون آخر، فهذا لا يحل للرجال أن يلبسوه؛ لأن عبد الله بن عمرو كان ملازمًا للنبي ﵊، ودائمًا يأتيه، لكنه ﵊ غضب وتغير وجهه ولم يرد ﵇.
بخلاف الأعرابي الذي يأتي من البادية، ولو ارتكب شيئًا يصل إلى درجة الكفر، فإن النبي ﵊ يحلم ويصبر عليه؛ لأنه جاهل، ولا يعامله معاملة العالم الماكث عنده بصفة مستمرة يتعلم الهدى منه، كما في حديث خزيمة بن ثابت عند النسائي وأبي داود وغيرهما، قال: (رأى النبي ﷺ قعودًا - الجمل الصغير- لرجل أعرابي، فقال: بعني جملك يا أعرابي.
قال: بكم؟ قال: بكذا -وإذا ذهبنا إلى المدينة أعطيناك الثمن- فجاء رجل من المسلمين لا يعلم أن النبي ﵊ اشترى الجمل، فقال للأعرابي: بعني هذا الجمل.
قال: بكم؟ -وكان ينبغي للأعرابي ألا يبيع الجمل، يقول له: الجمل اشتراه النبي ﵊، لكن الأعرابي جاهل، ظن أن البيع لم ينعقد طالما أن الثمن لم يعجل، لاسيما وقد فرض هذا الرجل سعرًا أعلى من الذي فرضه النبي ﵊، فطمع الأعرابي في الزيادة- فقال: بعتك الجمل.
فعلم النبي ﵊ أن الأعرابي باع الجمل، قال: يا أعرابي! أو لم تبعني الجمل؟ قال: ما بعتك شيئًا.
قال: يا أعرابي! بل بعتني الجمل.
قال: ما بعتك، هلم بشهيد يشهد أنني بعتك.
فانبرى خزيمة بن ثابت الأنصاري وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل، فقال ﵊ لـ خزيمة: بم تشهد يا خزيمة؟ قال: بتصديقك، أشهد أنك صادق لا تكذب، فهذا يدل دلالة قاطعة على أنك اشتريت الجمل من الأعرابي وهو من الكاذبين).
هل يمكن أن أحدًا من الصحابة المقربين من النبي ﵊ أرتكب مثل هذا، والرسول ﵊ يتركه هكذا بلا عقوبة؟! هل يمكن أن يجرؤ أحد على أن يرتكب جزءًا من هذا؟! إذًا: الرسول ﵊ لم يكن يعامل أهل البادية كما يعامل أصحابه المقربين منه؛ لذلك قال ﵊: (عليكم بسنتي).
قال عمر بن الخطاب ﵁ ولله دره، ما كان أثقب نظره! - (إذا جادلكم أهل الرأي بالقرآن فخذوهم بالسنن) لأن السنة مبينة للكتاب، فهذا يبين ضرورة العلم بالسنة؛ لأنها كثيرة التفصيلات.
39 / 10