Lessons by Sheikh Abi Ishaq Al-Huwaini
دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
Gobollada
Masar
موقف النبي ﵊ من الإحداث في الدين
جاء في صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة قال: (آخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فجاء سلمان يومًا يزور أخاه، فرأى أم الدرداء متبذلة -أي: بثياب المهنة- فقال لها: مالي أراك متبذلة؟ قالت: أخوك أبو الدرداء لا حاجة له في الدنيا) لا ينظر إلى زوجه، والزوج إذا كره النظر إلى زوجه أهملت الزوجة نفسها وأضاعتها، وليس هذا من فقه الزوجة، إذا أهمل الرجل النظر إلى المرأة فلا يجوز لها أن تهمل زينتها، فإن الاستمرار في الزينة يجعل الرجل يرجع إلى زوجه، كما روى النسائي في سننه: (أن امرأة قالت للنبي ﷺ: يا رسول الله! إن المرأة إذا تركت الزينة ثقلت، وكره زوجها النظر إليها).
فهي امرأة لا يطلبها زوجها، ولا ينظر إليها، ولا يعيرها التفاتًا، فهي بثياب المهنة دائمًا (مالي أراك متبذلة؟ قالت: أخوك أبو الدرداء لا حاجة له في الدنيا.
فجلس، وجاء أبو الدرداء فرحب بأخيه، ثم أمر بإعداد طعام، فقرب الطعام، قال له سلمان: كل.
قال: إني صائم.
-وفي غير البخاري قال: والله لا أطعمه إلا إذا أكلت- قال: ما أنا بآكل حتى تأكل.
فأكل، فلما جن الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم ويصلي، فقال له سلمان: اجلس.
فكره أبو الدرداء أن يخالفه؛ فنام حتى مضى شطر الليل، فقاما فصليا جميعًا، فلما أصبحا قال له سلمان: إن لنفسك عليك حقًا، ولبدنك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولضيفك عليك حقًا، فآت كل ذي حق حقه، فلما أصبحا أتيا النبي ﵊، فقال أبو الدرداء للنبي ﵊ مقالة سلمان، فقال ﵊: صدق سلمان) وفي بعض الروايات: (لقد أشبع سلمان علمًا)، وفي رواية أخرى: (لقد أوتي سلمان فقهًا).
هذه عبادات مأذون فيها، ومع ذلك كره الزيادة فيها.
وجاء في الصحيحين من حديث أبي العباس الشاعر عن عبد الله بن عمرو بن العاص في قصة صيامه وقيامه -القصة المعروفة- قال النبي ﵊ لـ عبد الله بن عمرو: (أولم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار.
قال: أجل يا رسول الله، إني لأفعل ذلك.
قال له: لا تفعل -وهذا ليس صدًا عن العبادة، لكنه نظر إلى ما يئول إليه الأمر- فإنك إن فعلت هجمت عينك، ونفهت نفسك) (هجمت عينك) أي: غارت، ودخلت في المحاجر؛ بسبب كثرة السهر، (ونفهت نفسك) أي: ضعفت وذهب جدك، فنهاه عن الوصال والمواصلة.
كان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ رجلًا فتيًا آنذاك، فقبل الجد في العبادة، لكنه ندم في آخر عمره، فكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ، وهذا في المأذون فيه.
وأيضًا لما كان النبي ﷺ في مزدلفة قال لـ ابن عباس: (القط لي مثل حصى الخذف، وإياكم والغلو في الدين!) الغلو: أن تحضر حجرًا كبيرًا وتقول في نفسك: هل ممكن أن أرمي الشيطان بحصوة؟! الشيطان لا يكفيه إلا حجرًا كبيرًا أقذفه بها، فنهى عن الغلو حتى في حجم الحجر؛ لأن الغلو يؤدي في النهاية إلى احتقار الشريعة، واعتقاد أن ما أمر الله ﷿ به لا يوصل العبد إلى مرضاة الله، فيخرج المرء من الشريعة في آخر الأمر، فنهى عن كل غلو يفضي إلى ذلك.
وهناك من يضرب بهم المثل في هذا الباب وهم الخوارج، قال ﵊: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية).
فرجل مصل ومزكٍ وقارئ قرآن، وهذا أعلى ما يحصله الإنسان، ومع ذلك يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ما نفعتهم صلاتهم ولا صيامهم ولا قراءتهم للقرآن، فاعتبروا بهذا.
المأذون فيه نهاك عن الزيادة فيه، أيأذن لك أن تخترع شيئًا لم يشرعه الله ورسوله؟! إن هذا أشد في المقت، فالمبتدع مضاد لله ﷿ في حكمه، منازع له في حق التشريع، إذ إنه شرع شيئًا لم يأذن به الله ورسوله، وقد ذم الله ﷿ البدع وأهلها، والمعاصي وأهلها، لكن البدع تدخل دخولًا أوليًا في المناهي؛ لأن أعظم المناهي هي البدع.
39 / 5