وقد تُطلق الحدودُ، ويراد بها نفسُ المحارم، وحينئذ فيقال: لا تقربوا حدودَ الله، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، والمراد: النَّهي عن ارتكابِ ما نهى عنه في الآية من محظورات الصِّيام والاعتكاف في المساجد، ومن هذا المعنى - وهو تسميةُ المحارم حدودًا - قولُ النبيِّ ﷺ: "مَثَلُ القائمِ على حدودِ الله والمُدْهِنِ فيها، كمثل قوم اقتسموا سفينة" الحديث المشهور (^١)، وأراد بالقائم على حدود الله: المنكر للمحرَّمات والناهي عنها.
وفي حديث ابن عباس عن النبيِّ ﷺ، قال: "إني آخذ بحُجَزِكُم [أقول:] اتَّقوا النَّارَ، اتَّقوا الحدودَ" قالها ثلاثًا، خرَّجه الطبراني والبزار (^٢)، وأراد بالحدود محارم اللهِ ومعاصيه، ومنه قولُ الرجل الذي قال للنبيِّ ﷺ: إنِّي أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ (^٣).
وقد تُسمى العقوباتُ المقدرة الرادعةُ عن المحارم المغلظة حدودًا، كما يقال: حدُّ الزنى، وحدُّ السرقة، وحدُّ شرب الخمر، ومنه قول النبيِّ ﷺ لأسامة:
(^١) رواه من حديث النعمان بن بشير البخاري (٢٤٩٣) و(٢٦٨٦)، والترمذي (٢١٧٣)، وأحمد ٤/ ٢٦٨، وصححه ابن حبان (٢٩٧)، ونصه بتمامه: "مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ مَنْ فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا ونَجَوْا جميعًا".
(^٢) رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٩٥٣)، والبزار (١٩٣٦)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.