525

Jamharat Maqalat

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

Daabacaha

دار النفائس للنشر والتوزيع

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م

Goobta Daabacaadda

الأردن

تعرض عليه الثدي الآخر فيأباه، كأنه قد أشعر ﵇ أن معه شريكًا في لبانها". (١)
فكان مفطورًا على العدل، مجبولًا على جميل المشاركة والفضل. وأرجعته مرضعته إلى أمه وهو ابن خمس سنين وشهر، ولما بلغ ست سنين توفيت أمه، ولما بلغ ثمان سنين وكسرًا توفي عبد المطلب فكفله عمه أبو طالب. وقد يَفَعَ ﵊ على أجمل الصفات، كان لا يشبه خُلقُه خلقَ الصبيان. فمن ذلك أنه كان إذا قرب إليه مع الصبيان تصبيحهم، وهو طعام الصباح، اختلس بقية الصبيان منه، ويكف هو. (٢) وعن أم أيمن حاضنته أنها قالت: "ما رأيته يشكو جوعًا ولا عطشًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا، وكان يكثر أن ينام ليلته دون أن يتعشى". (٣)
وكذلك شأنه حين يشب، وحسبنا حكاية لحاله هذه كلمتان: إحداهما ما رواه أبو الفضل في الشفاء، عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ما هممت

(١) السهيلي: الروض الأنف، ج ١، ص ٢٨٦.
(٢) أخرج ابن قتيبة تحت ترجمة بعنوان "ألفاظ من أحاديث المولد والمبعث" "أنه (أي النبي ﷺ) كان بينما في حجر أبي طالب، فكان يُقرَّبُ إلى الصبيان تصبيحهم فيختلسون ويكف، ويصبح الصبيان غُمصًا، ويصبح صقِلًا دهينا". وذكره الزمخشري وابن الأثير بلفظ "يتيمًا" بدل "بينما"، والراجح أن مرجع الاختلاف سهو وقع من محقق كتاب ابن قتيبة. ولم أعثر على تخريج لهذا الأثر. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم: غريب الحديث، تحقيق عبد الله الجبوري (بغداد: مطبعة العاني، ط ١، ١٣٩٧/ ١٩٧٧) ج ١، ص ٣٨١؛ الزمخشري: أساس البلاغة، ج ١، ص ٥٣٣؛ ابن الأثير: النهاية، ج ٣، ص ٤٨٨ (نشرة الطناحي وزميله) وج ٣، ص ٥ (نشرة العلمية). ومعنى تصبيحهم: غداؤهم. والغَمَص والرَّمَص واحد، وهو ما يجتمع من وسخ في موق العين، فإن كان رطبًا أو سائلًا فهو غمص، وإن جمد فهو رمص.
(٣) لم أعثر على هذا الكلام المنسوب لأم أيمن فيما أمكنني مراجعته من مصادر السيرة والحديث. ولكن ذكر المقريزي قريبًا منه حيث قال: "وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان تصبيحهم أول البكرة فيجلسون وينهبون، ويكف رسول الله ﷺ يده لا ينهب معهم. فلما رأى أبو طالب ذلك عزل له طعامه على حدة. وكان ﷺ يصبح في أكثر أيامه فيأتي زمزم فيشرب منه شربة، فرُبما عُرض عليه الغداء فيقول: "لا أريده، أنا شبعان". "المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد: إمتاع الأسماع بما للنبي ﷺ من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، تحقيق محمد عبد الحميد النميسي (بيرت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٠/ ١٩٩٩)، ج ١، ص ١٤.

2 / 543