Soo Guridda Ubaxa iyo Qabashada Jawharadaha

اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر

Tifaftire

عبد الله حامد النمري

Gobollada
Suuriya
•
Imbaraado iyo Waqtiyo
Mamlukyo
ـ[اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر]ـ
المؤلف: أبو جعفر أحمد بن يوسف الرعيني
تحقيق: عبد الله حامد النمري
الناشر: هي رسالة ماجستير - بكلية الشريعة جامعة أم القرى (١٤٠٢هـ/١٩٨٢م)
[ترقيم الكتاب موافق لرسالة الماجستير]

Bog aan la aqoon

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا
يَقُولُ كَاتِبُهُ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَالِكٍ الرُّعَيْنِيُّ الْمَالكِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ الْغَرْنَاطِيُّ:
نَحْمَدُ اللَّهَ خَالِقَ الأَفْعَالِ، وَمُصَوّر الأَنَام، وَمُنْطِقَ الأَلْسِنَةِ بِالأَقْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى تَفَارِيعِ الْكَلاَمِ، جَعَلَ الأَلْفَاظَ عَلاَمَةً عَلَى مَا يُتَصَوَّرُ فِي الأَفْهَامِ، وَخَلَقَهَا مُخْتَلِفَةَ الْجِهَاتِ، مُتَنَوِّعَةَ الأَقْسَام، لِيَبْتَسِمَ ثَغْرُهَا عَنِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ أَوْضَحَ الابْتِسَامِ، وَتَجْلُوَ مَدْلُولاَتُهَا عَنِ الأسْمَاعِ أَبْلَجَ مِنَ الْوُجُوهِ الْوِسَامِ، فَمِنْهَا مَا تَخْتَلِفُ وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهَا عِنْدَ إِرَادَةِ الإِفْهَامِ، وَمِنْهَا مَا تَخْتَلفُ الْمَعَانِي بِاخْتِلاَفِ جِهَاتِهَا لِلأَوْهَامِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْسَعَ ذَاكَ الْمَجَالَ فِي هَذَا الْمَرَامِ، وأَطْلَعَ لَنَا بدور "الظُّلَمِ" ظَاهِرَةَ التَّمَامِ، وَجَعَلَ أَفْلاَكَ الأَيَّامِ دَائِرَةً عَلَى تَصَارِيفِ الأَقْلاَمِ، وَزَيَّنَ الدُّوَلَ الشَّرِيفَةَ بِمَنِ اشْتَمَلَتْ عَلَيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الأَعْلامِ، وَصَرَفَ إِلَى اسْتِجْلاَبِهِمْ هِمَمَ الْمُلُوكِ مِنْ ذَوِي الاِهْتِمَامِ،

1 / 36

وَنُصَلِّي عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ المَبْعُوثِ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ وَالمَخْصُوصِ بِالْوَحْيِ وَالإِلْهَامِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْقَائِمِينَ بِنُصْرَةِ الإِسْلاَمِ، أَمَّا بَعْدُ.
فَإِنَّهُ لَمَّا قَلَّبَتْنِي يَدُ النَّوَى بَيْنَ نَشْرِهَا وَطَيَّهَا، وَأَخْرَجَتْنِي عَنِ الأَوْطَانِ إِخْرَاجَ السِّهَامِ عَنْ قِسِيِّهَا، وَحَمَّلَتْنِي الأَيَّامُ مَا يُثْقِلُ مِنْ أَعْبَاءِ نَأْيِهَا، وَسَعَتْ بِي فِي طَلَبِ الْفَوَائِدِ غَايَةَ [سَعْيِهَا]، وَسَهَّلَتْ لِي مِنْ الرّحْلَةِ فِي طَلَبِ العِلْمِ مَا لَمْ أَزَلْ حَامِدًا فِي ذَلِكَ حُسْنَ رَأْيِهَا، وَجَعَلْتُ أَضْرِبُ أَعْدَادَ البِلاَدِ بَعْضًا فِي بَعْضٍ، وَأَخُطُّ أَدِيمَ الأَرْضِ تَارَةً عَنْ طُولٍ وَآوِنَةٍ عَنْ عَرْضٍ، وَأَنَا فِي طَيّ ذلِكَ أَسْتَخْرِجُ الْدُّرَرَ مِنْ أَصْدَافِهَا وَأَجْمَعُ الفَوَائِدَ عَلَى اخْتِلاَفِ أَصْنَافِهَا، إِلَى أَنْ جَمَعْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا مُلِئَ مِنْهُ الوِطَابُ، وَذُقْتُ مِنْ حَلاَوَةِ الرّحْلَةِ مَا يُسْتَعْذَبُ وَيُسْتَطَابُ، فَلَمْ أَزَلْ أَقِفُ عَلَى تَنَوُّعَاتِ الْبُلْدَانِ مَوْقِفَ الاسْتِحْقَاقِ وَأَتَبَيَّنُ مَدْلُولَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣].
وَلاَ غَرَضَ فِي ذَلِكَ كُلّهِ إِلاَّ مَسْأَلَةٌ أفيدُها أَوْ أسْتَفِيدُهَا، أَوْ كَلِمَةٌ أُجِيدُهَا أَوْ أسْتَجِيدُهَا، أَوْ عَالِمٌ أَعُودُ مِنْ رُؤْيَاهُ [مُمْتَلِئَ] الْفُؤَادِ، أَوْ مُتَعَلّمٌ أَظْفِرُهُ بِالْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ.
وَمَا بَرِحْتُ فِي طَلَبِ هَذَا الْمَقْصَدِ، وَتَوَرُّدِ هَذَا الْمَوْرِدِ، أَحُلُّ مِنْ كُلّ مَدِينَةٍ مَحَلَّ الْمُنْتَقِدِ، وَأَحُلُّ بِهَا مِنْ عُقَدِ الْعِلْمِ مَا أُبْرِمَ وَعُقِدَ،

1 / 37

إِلَى أَنْ أَلحقْتُ الْفُرَاتَ بِالنّيلِ، وَبَلَغْتُ فِيمَا بَيْنَهُمَا غَايَةَ الْمُسْتَنِيلِ، وَجَعَلْتُ مَا بَيْنَ الأَنْدَلُسِ وَالشَّامِ كَمَرْحَلَةِ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَمَا حَجَزَنِي عَنِ الْحِجَازِ قَطْعُ حَزْنِ وَلاَ سَهْلٍ، وَلاَ تَشَاغَلْتُ عَنْ ذَلِكَ بِوَطَنٍ وَلاَ أَهْلٍ، إِلَى أَنْ جَمَعْتُ بَيْنَ زِيَارَةِ الْحَرَمَيْنِ، وَحَصَلْتُ مِنَ الرّحْلَةِ عَلَى غُنْمَيْنِ. وَلَمْ يَرُعْنِي أَنَّ بِغَرْنَاطَةَ دِيَارِي، وَبِالشَّامِ مَزَارِي.
وَلَمَّا أَوْدَعْتُ طَرْفِي مِنْ مُشاهَدَةِ أَهْلِ الفَضْلِ مَا أَوْدَعْتُ، وَحَجَجْتُ بَيْنَ [إِفَادَتِهِمْ] وَاسْتِفَادَتِهِمْ فَتَمَتَّعْتُ، وَشَاهَدْتُ مِنْ مُلُوكِ الزَّمَانِ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الأَمْصَارُ، وَشَهِدْتُ مِنْهُمْ مَنْ تَزَيَّنَتْ بِهِمُ الأَقْطَارُ، رَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أَلْسُنُ الأَيَّامِ، وَشَهِدَتْ بِهِ مَعَارِفُ الأَنَامِ، كَمَنْ حَفِظَ النَّفْلَ وَضَيَّعَ الْوُجُوبَ، وَقَنِعَ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِأَنْ يَئُوبَ، إِذْ فَاتَنِي الأَمْرُ النَّادِرُ، وَالْمَوْرِدُ الَّذِي يَحْمَدُهُ الْوَارِدُ وَالصَّادِرُ، وَالْمَقَامُ الَّذِي تَنْفُقُ فِيهِ الْعُلُومُ، وَتَسْتَهِلُّ فَوَائِدُهُ كَمَا تَسْتَهِلُّ الْغُيُومُ، وَتُعْرَفُ لأهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ حُقُوقهمْ، وَتُجْتَنَبُ إِضَاعَتُهُمْ وَعُقُوقُهُمْ، شِنْشِنَةٌ تَوَارَثَهَا كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ، وَمَزِيَّةٌ خَلَّفَهَا أَوَّلٌ لآخِرٍ، حَرَمٌ لاَ يَضِيعُ نَزِيلُهُ، وَكَرَمٌ لاَ يُخَافُ أَنَّ الزَّمَانَ مُزِيلُهُ، وَمُلْكٌ تَتَهَلَّلُ لَهُ وُجُوهُ الخُطُوبِ وَتَنْفَرِجُ عِنْدَهُ مَضَايِقُ الكُرُوبِ، وَتَدُورُ بِأَنْهَارِ تَدْبِيرِهِ رَحَى الحُرُوبِ، وَيَشْتَمِلُ مِنَ المَجْدِ الأَصِيلِ عَلَى مَا اشْتَهَرَ وَشَذَّ مِنَ الضُّرُوبِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا فَتَنِي مِنْ هَذَا الحَظّ الَّذِي لاَ يُثْمِرُ غَرْسَ ارْتِحَالِي إِنْ لَمْ أَنَلْ مِنْهُ نَصِيبًا، وَلاَ أَجِدُنِي مَعَ فَوْتِهِ لِأَدَاءِ الوَاجِبِ مُصِيبًا، أقْسَمْتُ لأَزُورَنَّ دِيَارَ بَكْرٍ، مَدَّ

1 / 38

الزَّمَانُ فِي ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، وَقُلْتُ:
لاَ بُدَّ مِنْ صَنْعَا وَإِنْ طَالَ السَّفَرْ
فَعَزَمْتُ أَنْ أُطْلِعَ فِي أُفُقِ شَهْبَائِهَا شِهَابِي وَأُسَهّلَ بِرُؤْيَةِ مَلِكِهَا الْجَلِيلِ أَسْبَابَ إِيَابِي، فَكَمْ رَدَّ مِنْ غَرِيبٍ إِلَى أَوْطَانِهِ، وَأَعَانَ عَلَى الزَّمَانِ بِعُمُومِ إحسانه.
مَلِكٌ بِهِ تُرْسَى المَنَازِلْ ... وَيَنَالُ طِيبَ الْعَيْشِ نَازِلْ
وَيَجِدُّ فِي الْجُودِ الْجَزِيـ ... لِ لِمَنْ رَجَا وَالدَّهْرُ هَازِلْ
وَيَقُولُ دَاعِيَ جُودِهِ ... سَهُلَ الغِنَى مِنَّا لِآمِلْ
فَاعْمَلْ عَلَى رُؤْيَاهُ تَظْ ... فَرْ بِالْمُنَى إِنْ كُنْتَ عَامِلْ
وَارْحَلْ لَهُ وَدَعِ الدِّيَا ... رَ فَعِنْدَهُ كَمْ سُرَّ رَاحِلْ
وَاقْطَعْ إِلَيْهِ مَدَى البلا ... دِ وَلَوْ تَبَاعَدَتِ الْمَرَاحِلْ
هَذَا هُوَ الْبَحْرُ المُحيـ ... طُ وَعَاجِلُ الإِحْسَانِ سَاحِلْ
هَذَا هُوَ الْغَيْثُ الَّذِي ... مَا فِي حِمَاهُ الْيَوْمَ مَاحِلْ
هَذَا هُوَ المَجْدُ الأَصِيـ ... لُ وَهَكَذَا تُحْكَى الفَضَائِلْ
هَذَا هُوَ الفِعْلُ الحَمِيـ ... دُ كَذَاكَ فَلْتَكُنِ الفَعَائِلْ
لِلَّهِ مِنْ مَلِكٍ كَرِيـ ... مِ الأَصْلِ مَرْضِيِّ الشَّمَائِلْ
مَا هَمُّهُ إِلاَّ مَنَا لٌ فِي الـ ... عِدَا أَوْ بَذْلُ نَائِلْ
لاَ فِي سِوَى الْعَلْيَاءِ مَشْـ ... غُولٌ وَلاَ لِلْمَالِ مَائِلْ

1 / 39

فَنِهَايَةُ الدُّنْيَا لَهُ ... فِي صَارِمٍ لَدْنٍ وَذَابِلْ
وَالْجَيْشُ يُنْظَمُ حَوْلَهُ ... مِنْ رَامِحٍ مِنْهُمْ وَنَابِلْ
وَالْخَيْلُ إِثْرَ الْخَيْلِ جَا ... وَبَ صَاهِلٌ مِنْهَا لِصَاهِلْ
وَالْرُّمْحُ مِنْ دَمِ مَنْ عَصَا ... عَنْ أَمْرِهِ فِي الْحَرْبِ نَاهِلْ
وَخَوَافِقُ الرَّايَاتِ تَخْـ ... فِقُ فَوْقَ كَرَّاتِ الْجَحَافِلْ
هَذَا مُنَاهُ وَغَيْرُ هَـ ... ذَا لِلْمَوَاهِبِ وَالنَّوَافِلْ
شِيَمٌ تَوَارَثَهَا فَوَا ... فَقَ شَاهِدٌ فِيهَا وَنَاقِلْ
قُسٌّ إِذَا مَا رَامَ يُحْـ ... صِي عَدَّهَا، أَضْحَى كَبَاقِلْ
وَلَقَدْ سَمِعْتُ بِمَجْدِهِ ... فَأَتَيْتُ أَسْرِي غَيْرَ مَاهِلْ
وَأَتَيْتُ عَنْ عِلْمٍ بِهِ ... مَا عَالِمٌ يَوْمًا كَجَاهِلْ
فَرَأَيْتُ مَا قَالُوا وَأَكْـ ... ثَرَ وَهْوَ لَيْسَ لَهُ مُمَاثِلْ
فَلِيَ الْهَنَاءُ بِأَنَّنِي ... أَصْبَحْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَاثِلْ
فَرَأَيْتُ أَكْرَمَ مَنْ لِقَصْـ ... دِ جَنَابِهِ تُزْجَى الرَّوَاحِلْ
وَخَلَصْتُ حِينَ لَقِيتُهُ ... مِنْ ضُرِّ أَيَّامِي المَوَاحِلْ
وَرَجَوْتُ عَوْدِي كَيْفَ شِئْـ ... تُ إِلَى الأَحِبَّةِ وَالْمَنَازِلْ
فَوْقَ الْجِيَادِ الضُّمْرِ مِنْ ... جَدْوَاهُ وَالْخُوصِ الْبَوَازِلْ
كَمْ رَدَّ لِلأَوْطَانِ مِنْ ... مُتَغَرّبٍ جَزْلِ النَّوَائِلْ
هَذَا هُوَ المَلِكُ الَّذِي ... فِي بَابِهِ مَا خَابَ سَائِلْ
هَذَا الَّذِي مَنْ لَمْ يُقَبْـ ... بِّلْ كَفَّهُ مَا نَالَ طَائِلْ

1 / 40

هَذَا الَّذِي أَحْيَا مَكَا ... رِمَ قَدْ سُمِعْنَ عَنِ الأَوَائِلْ
قد حاز أوصافًا يحَا ... رُ لوصْفِها سحبان وَائِلْ
هَذَا ابن أُرْتُقَ خَيْرُ مَنْ ... فِي مَدْحِهِ قَدْ قَالَ قَائِلْ
هَذَا الَّذِي لِجُدُودِهِ ... فِي النَّاسِ ذِكْرٌ غَيْرُ زَائِلْ
أَمْدَاحُهُمْ تَبْقَى عَلَى ... طُولِ اللَّيَالي وَالأَصَائِلْ
هَذَا الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ ... فَاسْمَعْ ثَنَاءَهُمُ وَسَائِلْ
فَهُمُ المُلُوكُ بَنُو المُلُو ... كِ فَعِنْدَهُمْ تُغْنِي الوَسَائِلْ
وَعَلَى وُجُوهِهِمُ مِنَ الْـ ... بُشْرَى لِمَنْ وَافَى دَلاَئِلْ
أَخْلاَقُهُمْ مِثْلُ الرِّيَا ... ضِ إِذَا تَبَسَّمَتِ الخَمَائِلْ
كَالْسّلْكِ نُظِّمَ دُرُّهُ ... فَزَهَتْ بِهِ الغِيدُ العَقَائِلْ
سِلْكُ بِأُرْتُقَ بَدْوُهُ ... وَإِلَى السَّعِيدِ النَّظْمُ وَاصِلْ
وَإِلَى المُظَفَّرِ بَعْدَهُ ... وَالنَّظْمُ لِلْمَنْصُورِ حَاصِلْ
وَكَمَالُهُ بِالصَّالِحِ الْـ ... أَعْلَى فَهَذَا السَّلْكُ كَامِلْ
وَلَسَوْفَ يَبْقَى بَعْدَهُ ... لِبَنِيهِ هَذَا المُلْكُ شَامِلْ
فَبُدُورُ عِزِّهِمُ المُنِيـ ... رَةُ لَمْ يُخَفْ مِنْهُنَّ آفِلْ
وَسَمَاحُهُمْ عَنْ جَبْرِ مَنْ ... يَأْوِي إِلَيْهِمْ غَيْرُ غَافِلْ
وَنَدَاهُمُ بِغِنَى المُقِلّ ... وَحَاجَةِ الرَّاجِينَ كَافِلْ

1 / 41

وَعُلاَهُمُ مَا زَالَ فِي ... حُلَلِ الثَّنَاءِ الجَزْلِ رَافِلْ
وَإِذَا أَتَى وَفْدُ العُفَا ... ةِ مُدَبِّرًا بِمَ ذَا يُقَابِلْ
هَبَّتْ قَبُولُ سَمَاحِهِمْ ... فَتَقُولُ إِنَّ الوَقْتَ قَابِلْ
أَعْطَاهُ حَتَّى قَالَ حَسْـ ... بِي وَانْثَنَى فِي الشُّكْرِ جَائِلْ
لاَ زَالَ يَنْشُرُهَا مَكا ... رِمَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا زَوَائِلْ
وَيَنَالُ مِنْ مِنَحِ الرِّضَى ... وَالسَّعْدِ غَايةَ كُلِ نَائِلْ
وَلَمَّا عَرَفْتُ مِنْ صِفَاتِهِ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ الَّتِي نَظَمْتُهَا فِي سَلْكِ الكَلاَمِ، وَزَيَّنْتُ بِنَظْمِهَا أَجْيَادَ المُلْكِ فِي الأَنَامِ، قُلْتُ: لاَ بُدَّ مِنْ تُحْفَةِ قَادِمٍ أُقَدِمُهَا بَيْنَ يَدْيَهِ، وَوَسِيلَةِ وَاصِلٍ أَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ العِلْمَ أَشْرَفُ مَا عُنِيَتْ بِهِ أَكَابِرُ المُلُوكِ، وَأَنْفَسُ الجَوَاهِرِ الَّتِي تَتَضَمَّنُهَا ذَخَائِرُ السُّلُوكِ، وَتَحَقَّقْتُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَرَى لِلْعِلْمِ حَقَّهُ، وَيجِبُ أَنْ تُزَيِّنَ بُدُورُهُ أُفْقَهُ، وَحِينَ قد رَأَيْتُهُ قَدْ عُنِيَ بِتَحْسِينِ الأَفْعَالِ، أَلَّفْتُ لَهُ كِتَابًا فِي تَصَارِيفِ الأَفْعَالِ، وَحين أَلْفَيْتُ أَفْعَالَهُ تَتَصَّرَفُ فِي فَتْحِ [الآمَالِ] الَّتِي تُقِرُّ الْعَيْنِ، اقْتَصَرْتُ مِنَ الأَفْعَالِ عَلَى (فَعَلَ) الَّذِي هُوَ مَفْتُوحُ العَيْنِ، مَعَ أَنّي رَأَيْتُ تَصَارِيفَ الأَفْعَالِ مُتَّسِعَةَ المَجَالِ مُلْتَبِسَةً عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ، وعِلْمَ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَأْخُوذًا بِيَدِ الإِهْمَالِ،

1 / 42

وَرَأَيْتُ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَدُورُ عَلَى الأَلْسِنَةِ (فَعَلَ) المَفْتُوحُ العَيْنِ، وَأَنَّهُ فِي هَذَا البَابِ كَالسَّوَادِ مِنَ العَيْنِ، فَصَنَّفْتُ هَذَا الكِتَابَ، [وَ] جَمَعْتُ فِيهِ مَا جَاءَ مِنْ (فَعَلَ) بِفَتْحِ العَيْنِ، وَالمُضَارِعُ مِنْهُ بِالضَّمّ وَالكَسْرِ، مَعَ اخْتِلاَفِ المَعْنَى وَاتّفَاقِهِ، وَبَوَّبْتُهُ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ، فَجَاءَ كَالسِلْكِ المُحْكَمِ.
وَأَبْدَأُ كُلَّ بَابٍ بِمَا هُوَ مُتَّفِقُ المَعْنَى، لِيَكُونَ أَسْهَلَ لِلنَّاظِرِ وَأَهْنَى، وَبَدَأْتُهُ بِمُقَدِمَةٍ فِي أَحْكَامِ (فَعَلَ)، وَنَقْلِهِ، وَصَحِيحِهِ، وَمُعْتَلِّهِ، وَخَتَمْتَهُ بِفَصْلٍ فِيمَا يَتَعَدَّى مِنَ الأَفْعَالِ مَرَّةً دُونَ مَرَّةٍ، فَكَمُلَ تَأْلِيفُهُ بِأَنْفَسِ دُرّة، إِذْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الأَفْعَالِ مِنْ قَبِيلَ النَّادِرِ الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ إِلاَّ الحُفَّاظُ، وَلاَ يُمَيّزُهُ إِلاَّ مَنْ تَدَاوَلَتْ عَلَى سَمْعِهِ الأَلْفَاظُ.
وَقَدْ جَمَعَ النَّاسُ فِي الأَفْعَالِ تَصَانِيفَ حَصَلَ لَهُمْ بِهَا السَّبْقُ، وَوَجَبَ أَنْ لاَ يُشَامَ إِلاَّ ذَلِكَ البَرْقُ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ إِفْرَادَ هَذَا الصّنْفِ مِمَّا تَكْثُرُ فَوَائِدُهُ، وَيُحْمَدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَائِدُهُ، وَهَذَا شَيْءٌ اقْتَضَبْنَاهُ بِيَدِ الاسْتِعْجَالِ، وَوَقَعَ مِنَّا مَوْقِعَ الشِعْرِ عِنْدَ الارْتِجَالِ. وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ مَنْ جَمَعَ وَلَوْ مَسْأَلَتَيْنِ نَفَعَ عِلْمُ ذَلِكَ وَضَرَّ جَهْلُهُ، وَحَرَصَ عَلَى تَحْصِيلِهِ أَهْلُهُ، وَسَمَّيْتُهُ: بِـ (اقْتِطَافِ الأَزَاهِرِ، وَالتِقَاطِ الجَوَاهِرِ)، وَرَفَعْتُهُ إِلَى الخِزَانَةِ الشَّرِيفَةِ خِدْمَةً مُخَلَّدَةً فِي دَوَاوِينِهَا وَقَطْرَةً أَضَفْتُهَا إِلَى مَعِينِ عُيُونِهَا.

1 / 43

وَاللَّهَ أسألُ أَنْ يَكْفِيَنَا أَلْسِنَةَ الْحُسَّادِ، وَيَصْرِفَ هَذِهِ البِضَاعَةَ عَنْ سُوقِ الكَسَادِ، وَيُلْهِمَنَا إِلَى مَا يَعْصِمُ مِنَ الهُجْرِ، وَلاَ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ قُوبِلَ بِالهَجْرِ، وَعَلَى اللَّهِ أَتَوَكَّلُ، وَبِهِ أَتَوَسَّلُ.

1 / 44