Introductions to the Science of Sects’ Articles

مقدمات في علم مقالات الفرق

Daabacaha

غر اس

Daabacaad

الأولى ١٤٢٣هـ/٢٠٠٢م

Goobta Daabacaadda

الكويت

مقدمات في علم مقالات الفرق
تأليف د/ محمد بن خليفة التميمي
يسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران ١٠٢] .
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تسآلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء ١] .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠-٧١] .
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وبعد، فإن لكل علم من العلوم خصائصه ومقوماته وحدوده التي تميزه عن غيره من العلوم، ولذلك فلابد لكل علم من مقدمات توضح شيئًا من جوانبه المتعلقة بتعريفه وبيان أهميته وذكر بعض أصوله وضوابطه وقواعده وحدوده، ومسالك تأليف أهل ذلك الفن ومؤلفاتهم فيه، وغير ذلك من المسائل التي يحسن بالدارس أن يحيط بها علمًا عند تناوله لذلك

1 / 2

العلم بالدراسة والتحصيل.
وعلم "مقالات الفرق" هو أحد العلوم التي لقيت عناية كبيرة قديمًا وحديثًا تأليفًا وتدريسًا، ففي عصرنا الحاضر يعتبر تدريس هذا العلم في الكليات والأقسام الشرعية من الأمور الأساسية، فأحببت أن أدلي بدلوي فأعرف ببعض المقدمات الضرورية المتعلقة بهذا العلم ليستعين بها المطلع على جوانب هذا الفن، لعلها تفيده وتيسر له الإلمام بأساسياته. وليس غرضي من هذه المقدمات إعطاء معلومات تتعلق بمحتوى المادة العلمية لهذا العلم فهذا الجانب قد تناولته دراسات عديدة، وإنما الذي أهدف له هنا هو تقديم دراسة تتعلق بالجوانب العامة لهذا العلم، وقد سرت في ذلك وفق الخطة التالية:
المبحث الأول: التعريف بالمقالة واستعمالها في كلام أهل العلم. وفيه مطلبان
المطلب الأول: تعريف المقالة في اللغة والاصطلاح
المطلب الثاني: استعمال العلماء لمصطلح المقالة
المبحث الثاني: أهمية علم المقالات. وفيه مطلبان
المطلب الأول: أهمية علم المقالات في القرآن والسنة.
المطلب الثاني: أهمية علم المقالات عمومًا.
المبحث الثالث: مناهج التأليف في علم المقالات والمؤلفات فيه. وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: مناهج التأليف في علم المقالات
المطلب الثاني: الكتب المؤلفة في هذا العلم
المطلب الثالث: أشهر الكتب المؤلفة في علم المقالات ومناهج مؤلفيها

1 / 3

الخاتمة: في أهمية التأليف في علم المقالات استقلالًا.
وبعد، فهذا جهد المقل أضعه بين يدي القارئ الكريم، وقد بذلت فيه قصارى جهدي، وغاية وسعي، فما كان فيه من صواب وحق فالحمد لله على توفيقه، وذلك من فضله ومنه، وما كان فيه من خطل، أو زلل، أو خلل، فأستغفر الله من كل ذنب وخطيئة.
وأستميح القارئ الكريم عذرًا إذا ما وجد في عملي هذا تقصيرًا، فهذا جهد البشر، فأرجو من كل من اطلع على خطأ أو قصور أن يبادرني النصيحة مشكورًا مأجورًا.
والله أسأل أن ينفع بهذا العمل ويبارك فيه، وأن يجعله عملًا صالحًا ولوجهه خالصًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1 / 4

المبحث الأول: التعريف بالمقالة واستعمالها في كلام أهل العلم
المطلب الأول: تعريف المقالة في اللغة والاصطلاح
...
المطلب الأول: تعريف المقالة في اللغة والاصطلاح:
أولًا: التعريف اللغوي:
ا - أصل الكلمة وتصريفها:
المقالة: مصدر على وزن (مَفْعَلَة) بفتح الميم، وإسكان الفاء، وفتح العين، بعدها لام مفتوحة فتاء، مأخوذة من القول، يقال: قال، يَقُولُ، قَوْلًا، وقِيلًا، وقَوْلَةً، ومَقَالًا، ومَقَالةً ١.
والمقالة بالتاء والمقال بدونها بمعنى واحد٢.
قال الفيروزآبادي: "القول: في الخير، والقال والقيل والقالة: في الشر، أو القول مصدر، والقيل والقال اسمان له، أو قال قولًا وقيلًا وقولة ومقالة ومقالًا"٣.
ب - معناها:
قال صاحب اللسان: "القول: الكلام على الترتيب، وهو عند المحقِّق كل لفظ قال به اللسان تاما كان أو ناقصا"٤.
ثم قال: " ... فأما تجوزهم في تسميتهم الاعتقادات والآراء قَوْلًا، فلأن الاعتقاد يخفى فلا يعرف إلا بالقول، أو بما يقوم مقام القول من

١ لسان العرب ١١/٥٧٣ (مادة قول)، المصباح المنير ص٥١٩
٢ ديوان الأدب لأبي إبراهيم بن إسحاق الفارابي تحقيق د/ أحمد مختار عمر، مراجعة د/ إبراهيم أنيس مطبعة الأمانة بالقاهرة/ ١٣٩٦.
٣ القاموس المحيط مادة (قول) .
٤ لسان العرب ١١/٥٧٢ (مادة قول) .

1 / 5

شاهد الحال، فلما كانت لا تظهر إلا بالقول إذ كانت سببًا له، وكان القول دليلًا عليها، كما يُسمَّى الشيئ باسم غيره إذا كان ملابسًا له وكان القول دليلا عليه"١.
ثانيًا: التعريف الاصطلاحي:
جاء في المعجم الوسيط: "المقالة: القول، والمذهب، وبحث قصير٢ في العلم أو الأدب أو السياسة أو الاجتماع ينشر في صحيفة أو مجلة"٣.
وهذا يعني أن لهذه الكلمة استعمالان:
أحدهما: استعمالها في فن العقيدة، وهو ما أشار إليه هنا بقوله: (المقالة: القول والمذهب) .
والثاني: استعمالها في فن الأدب، وهو ما أشار إليه هنا بقوله: (بحث قصير في العلم أو الأدب........إلخ) .
والذي يعنينا هنا هو الاستعمال الأول.
وأما تعريف علم مقالات الفرق: فقد قال طاش كبري زاده في تعريفه:
"علم مقالات الفرق ٤: هو علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة المتعلقة بالاعتقادات الإلهية، وهي على ما أخبر به نبينا محمد ﷺ عن هذه الأمة، اثنتان وسبعون فرقة. وموضوعه وغايته وغرضه ومنفعته ظاهرة

١ المصدر السابق
٢ المقالة في عرف الكتاب المحدثين: "مجموعة من الخواطر والتأملات لا تجري على نسق معين، وليس لها نظام خاص بل يمارس الكاتب حريته الكاملة في الطريقة التي يصوغ فيها أفكاره وتأملاته"، انظر: فن التحرير العربي ضوابطه وأنماطه ص ٢٤٥، د/ محمد الشنطي، دار الأندلس.
٣ المعجم الوسيط ٢/٧٦٧، مادة (قول) ط/ دار الفكر.
٤ وكذا سماه حاجي خليفة في كشف الظنون بعلم مقالات الفرق.

1 / 6

جدًا."١.
وهذا التعريف حدد معالم هذا الفن من فنون العلم في ثلاثة معالم بارزة هي:
أولًا: قوله عن هذا العلم إنه: (علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة) .
ثانيًا: قوله: (المتعلقة بالاعتقادات الإلهية) .
ثالثًا: قوله: (وهي على ما أخبر به نبينا محمد ﷺ عن هذه الأمة، اثنتان وسبعون فرقة)
فحدود هذا الفن هي البحث عن ضبط المذاهب الباطلة، فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد، عند الفرق المنتسبة لهذه الأمة.
فهذا العلم يعنى بالخلاف الواقع في مسائل الاعتقاد ولا يبحث في المسائل الأخرى من أبواب الدين التي حصل فيها خلاف كمسائل الفقه والتفسير وغيرها.
وفي نظري أن التعريف جيد ويعطي صورة عن مضمون هذا العلم ومحتواه.
وأما تسميته لهذا العلم بـ "علم مقالات الفرق" فإن في هذا تمييزًا له عن "علم الأديان" الذي يعنى بمقالات الأمم الأخرى غير المسلمة، بينما اختص هذا العلم بمقالات الفرق المنتسبة إلى الإسلام.
فالمقالات عمومًا تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المقالات الواقعة في هذه الأمة.

١ مفتاح السعادة (١/٢٩٨) وانظر أبجد العلوم لصدِّيق حسن خان القنوجي (٢/٥١٥) فإنه عرفه بنفس التعريف.

1 / 7

القسم الثاني: مقالات الأمم الأخرى.
ولذلك لما ألف أبو الحسن الأشعري في علم المقالات، ألف كتابًا سماه "مقالات الإسلاميين" وكتابًا آخر سماه "مقالات غير الإسلاميين".
ولكن الذي استقر عليه الحال في الوقت الحاضر هو الفصل بين هذين النوعين من المقالات، بتسمية مقالات غير الإسلاميين بـ "علم الأديان، وتسمية مقالات الإسلاميين بـ " علم الفرق".
ومن المعلوم أنه في العصر الراهن شققت بعض العلوم وفرع عنها عدة علوم ومن ذلك علم المقالات الذي تفرع إلى العلوم التالية:
١ - علم الفرق
٢ - علم الأديان
٣ - علم المذاهب المعاصرة
كما هو الحال في المقررات التعليمية وبخاصة في المراحل الجامعية.

1 / 8

المطلب الثاني: استعمال العلماء لمصطلح المقالة:
لاشك أن استعمال هذا المصطلح أعني "المقالات" أمر شائع وكثير في كتب المتقدمين، فكتب العلماء الأوائل ورد فيها استعمال هذا المصطلح بشكل كبير، حتى إنه من الصعب والمتعذر حصر تلك المواطن وجمعها، ولذلك فلا عبرة بما نحن عليه اليوم من ندرة استعمال هذا المصطلح وقلة استخدامه، ووجود الوحشة في أذهان بعض الدارسين عند سماعه، نظرًا لذيوع استعمال مصطلح "الفرق" مكانه.
وسأورد بعض النماذج لاستعمال هذا المصطلح في كلام أهل العلم للتأكيد على صحة ما أقول.
١ - قيل لأبي حنيفة (١٥٠ هـ): "ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ قال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة"١.
٢ - وقال أبو الحسن الأشعري (٣٢٤هـ): "فإنه لابد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها، من معرفة المذاهب والمقالات، ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات ... فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من المقالات واختصار ذلك وترك الإطالة والإكثار"٢.
ثم سرد مقالات مختلف الفرق مفتتحا الكلام على كل فرقة كبيرة بقوله مثلا: "مقالات الخوارج"٣، "مقالات المرجئة"٤، "مقالات

١ صون المنطق للسيوطي ص ٣٢٢.
٢ مقالات الإسلاميين (ص ١) .
٣ مقالات الإسلاميين (ص ٨٦) .
٤ نفس المصدر (ص ١٣٢) .

1 / 9

المعتزلة"١ وهكذا ...
٣ - وقال عبد القاهر البغدادي (٤٢٩ هـ): "وقد علم كل ذي عقل من أصحاب المقالات المنسوبة إلى الإسلام ... " ٢.
وقال: "فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة ... كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته ... " ٣.
وقال: "الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب في بيان تفصيل مقالات فرق أهل الأهواء"٤.
ثم شرع في بيان هذه الفرق فيقول "الفصل كذا في بيان مقالات فرق كذا ... "٥.
٤ - وقال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ): "فإن كثيرا من الناس كتبوا في افتراق الناس في ديانتهم ومقالاتهم كتبا كثيرة جدا، ... وأضرب عن كثير من قويّ معارضات أصحاب المقالات فكان في ذلك غير منصف لنفسه ... "٦.
وقال أيضًا: "وقد أفردنا في نقض هذه المقالة (وهي قول المجوس أن مدبر العالم أكثر من واحد) كتابًا ... "٧.
٥ - وقال الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ): "لما وفقني الله تعالى إلى

١ نفس المصدر (ص ١٥٤) .
٢ الفرق بين الفرق (ص ٩) .
٣ نفس المصدر ص ٢٦.
٤ نفس المصدر ص ٢٨.
٥ انظر نفس المصدر ص ٢٩، ٧٢، ١١٤، ٢٠٧، ٢١٥، وغيرها.
٦ الفصل (١/٢) .
٧ نفس المصدر (١/٣٤) وانظر أيضًا (٤/١٨٨-١٨٩) .

1 / 10

مطالعة مقالات أهل العالم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل ... " ١.
وقال أيضا: "فأهل الأهواء ليست تنضبط مقالاتهم في عدد معلوم ... " ٢.
٦ - وقال أبو محمد اليمني (من علماء القرن السادس الهجري): "فمن هذا الباب دخل أهل البدع والأهواء على ضعفاء الناس في إفساد أديانهم، والاحتجاج بمقالتهم لا سيما على من جهل غموضه (أي القرآن) ومسلكه ومتشابهه"٣.
وبعد المقدمة شرع في ذكر الفرق فرقة فرقة ويفتتح الكلام على كل فرقة بقوله المقالة في ذكر كذا، نحو قوله في (١/١٨): "المقالة في ذكر فرقهم - أي الخوارج ـ"٤.
٧ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فهذه المقالات التي نقلت في التشبيه والتجسيم....." إلى أن قال "فأقوال أئمتهم دائرة بين التعطيل والتمثيل، لم تعرف لهم مقالة متوسطة بين هذا وهذا"٥.
وقال أيضًا: "فلا يعرف في المقالات المشهورة في العلم الإلهي مقالة أبعد عن الحق من مقالتهم، فإن مقالة اليهود والنصارى في العلم الإلهي

١ في الملل والنحل ١/٣.
٢ نفس المصدر (١/٤)، وانظر أيضا (١/٥-٦،٣٨) .
٣ كتابه عقائد الثلاث وسبعين فرقة (١/٧) .
٤ نفس المصدر (١/١٨) وانظر أيضًا (١/٢٧١، ٣٢٥، ٣٥٣) وغيرها.
٥ في منهاج السنة (٢/٢٤٢) وانظر الحسنة والسيئة (ص١٠٤)، والفتوى الحموية (ص ٤٧)، ومجموع الفتاوى (٢/٧٩-٨٠)، (٤/٢١) وغيرها كثير.

1 / 11