358

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

تجافى المذهب الحنبلي عن الحيلة والتحايل، ولم يكن في منطق الحنابلة إجازة الحيلة بحال من الأحوال، وقلت الحاجة إلى المخارج عنهم، ولذلك لم نجد كتابة لهم في الحيلة إلا على وجه الاستنكار.

٢٤١ - ولقد كان المذهب الحنبلي كالمذهب المالكي والحنفي يخضع الفتوى في غير مواضع النصوص والآثار للعرف، فتطيب نفس المفتي بأن يجري فتواه على أعراف الناس إذا لم تكن آثار مسعفة، أو مصلحة دافعة، ويخرج ألفاظ الإيمان والوصايا، وسائر العقود على مقتضى عرف الناس، ويقول في ذلك ابن القيم بعد تقريره وتفصيله:

((إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده، فأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك، والمذكور في كتبك... فهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعاداتهم، وأزمنتهم وأمكنتهم، وأحوالهم، وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعاداتهم، وأزمنتهم، وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب، مع اختلاف أبدانهم بل هذا الطبيب، وهذا المفتي الجاهل أضرا أديان الناس وأبدانهم، والله سبحانه وتعالى هو المستعان))(١)

وإخضاع الفتوى للعرف في غير المأثور حكمه يجعل الفتاوى صالحة للناس مألوفة لهم، لأنها مشتقة من المعروف عندهم الذي لم تثبت حرمته، ولم يقم دليل على مضرته، فإذا كانت العادات والأعراف محكّمة، فقد وجدت الأحكام الثابتة المستقرة في النفوس، ما لم تكن تلك الأعراف مستنكرة في الشرع الكريم.

وإذا كان العرف محكَّما في المذهب الحنبلي في غير المنصوص عليه في الآثار ولم يفت أحمد في كل الوقائع، فإن المذهب بذلك كان خصباً، وقد وجدت عقود كثيرة أقرت فيه مشتقة من العرف الجاري، ولم توجد في غيره، كما ذكرنا في البيع

(١) أعلام الموقعين = ٣ ص ٦٧

357