847
الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ ﷺ: " «خَيْرُ الذِّكْرِ مَا خَفِيَ» ". وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ عَامَّةَ عِبَادِهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وَخَاطَبَ الْخَاصَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] وَخَاطَبَ سَيِّدَ أَهِلِ الْحَضْرَةِ مُحَمَّدًا ﷺ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهُ بِرَبِّهِ وَنَفْسِهِ وَأَرَاهُ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] فَمَنْ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ وَلَا نَفْسَهُ وَلَا أَرَاهُ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فَكَيْفَ يَذْكُرُ رَبَّهُ فِي نَفْسِهِ؟ أَوْ كَيْفَ يَرَى مَدَّ الظِّلِّ؟ بَلْ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وَأَمَّا الذِّكْرُ الْخَفِيُّ فَهُوَ مَا خَفِيَ عَنِ الْحَفَظَةِ لَا مَا يُخْفَضُ بِهِ الصَّوْتُ، وَهُوَ أَيْضًا خَاصٌّ بِهِ ﷺ وَبِمَنْ لَهُ بِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَعَنْ جابر ﵁ " «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ هَذَا خَفَضَ مِنْ صَوْتِهِ، فَقَالَ ﷺ: دَعْهُ فَإِنَّهُ أَوَّاهٌ» ". وَقَالَ ﷺ: " «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ» ". وَرُوِيَ " «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» ". وَعَنْ أبي قتادة ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأبي بكر: مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ وَأَنْتَ تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ، فَقَالَ: ارْفَعْ صَوْتَكَ قَلِيلًا، وَقَالَ لعمر: مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ وَأَنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أُوقِظُ الْوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، قَالَ: اخْفِضْ قَلِيلًا» . وَرُوِيَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ، فَإِذَا خَفِيَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ ثَوِّرُوا الذِّكْرَ- أَيِ ارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتُدلَّ بِهِمَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَثَرِ-أَنَّ الذَّاكِرِينَ إِذَا كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى الذِّكْرِ، فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِمْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالْقُوَّةُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الذَّاكِرُ وَحْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْخَاصِّ فَالْإِخْفَاءُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَامِّ فَالْجَهْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ. وَقَدْ شَبَّهَ الْغَزَالِيُّ ﵀ ذِكْرَ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَذِكْرَ جَمَاعَةٍ مُجْتَمِعِينَ بِمُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ وَجَمَاعَةِ مُؤَذِّنِينَ، فَكَمَا أَنَّ

2 / 376