448

Guide for the Preacher to the Evidence of Sermons

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعودٍ، عن النَّبيِّ ﵌، قال: «ما تَعُدُّوَن الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» قُلْنَا: الذِي لا تَصْرَعُهُ الرِّجالُ، قال: «لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّه الذِي يَملِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ».
وقال ﵌: «الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ» (حسن رواه الإمام أحمد).
(بِالصُّرْعَةِ) بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء: الَّذِي يَصْرَع النَّاس كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ، وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَة، وَالصُّرْعَة بِسُكُونِ الرَّاء بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْره كَثِيرًا.
• وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ:
قال الله ﷿: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران:١٣٤).
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم - وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل ـ، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم.
﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى:٤٠).
ثم ذكر ﷿ حالة أعم من غيرها، وأحسن وأعلى وأجل، وهي الإحسان، فقال ﷿: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ والإحسان نوعان: الإحسان في عبادة الخالق. والإحسان

1 / 483