286

Furtaadda Qadiir

فتح القدير

Daabacaha

دار ابن كثير،دار الكلم الطيب - دمشق

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤١٤ هـ

Goobta Daabacaadda

بيروت

عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ أَيْ: أَنَّ الْوَفَاءَ بِذَلِكَ وَالْقِيَامَ بِهِ شَأْنُ أهل التقوى، كل مُسْلِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ أَيْضًا: هَلِ الْمُتْعَةُ مَشْرُوعَةٌ لِغَيْرِ هَذِهِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ أَمْ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ إِلَّا لَهَا فَقَطْ؟ فَقِيلَ: إِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ فِي غَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَالْفَرْضِ أَمْ مَنْدُوبَةٌ فَقَطْ؟ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ «١» وبقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا «٢» وَالْآيَةُ الْأُولَى عَامَّةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَالثَّانِيَةُ فِي أزواج النبي ﷺ وَقَدْ كُنَّ مَفْرُوضًا لَهُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهَا تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَإِنْ كَانَتْ مَفْرُوضًا لها لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ «٣» قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ نَسَخَتِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى: أَنَّ الْمُتْعَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَالتَّسْمِيَةِ، لِأَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى، أَوْ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَغَيْرَ الْمَدْخُولَةِ الَّتِي قَدْ فَرَضَ لَهَا زَوْجُهَا فَرِيضَةً، أَيْ: سَمَّى لَهَا مَهْرًا، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، تَسْتَحِقُّ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا ابْنُ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٌ. وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْضِ لَا تَسْتَحِقُّ إِلَّا الْمُتْعَةَ إِذَا كَانَتْ حُرَّةً. وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ أَمَةً فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: لَا مُتْعَةَ لَهَا لِأَنَّهَا تَكُونُ لِسَيِّدِهَا، وهو لا يستحق ما لا فِي مُقَابِلِ تَأَذِّي مَمْلُوكَتِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا شَرَعَ الْمُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْضِ، لِكَوْنِهَا تَتَأَذَّى بِالطَّلَاقِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُتْعَةِ الْمَشْرُوعَةِ هَلْ هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرٍ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا حَدَّ لَهَا مَعْرُوفٌ، بَلْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُتْعَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّهُ إِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الْمُتْعَةِ وَجَبَ لها نصف مهر مثلها، ولا ينقص عن خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، لِأَنَّ أَقَلَّ الْمَهْرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَلِلسَّلَفِ فِيهَا أَقْوَالٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِحَالِ الزَّوْجِ، فَالْمُتْعَةُ مِنَ الْغَنِيِّ فَوْقَ الْمُتْعَةِ من الفقير. وقرأ الْجُمْهُورُ: عَلَى الْمُوسِعِ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَهُوَ الَّذِي اتَّسَعَتْ حَالُهُ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ: بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ وَفَتْحِهَا. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قَدْرُهُ بِسُكُونِ الدَّالِ فِيهِمَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ بِفَتْحِ الدَّالِ فِيهِمَا. قَالَ الْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُ: هُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، وَهَكَذَا يُقْرَأُ فِي قَوْلِهِ تعالى: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها «٤» . وقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «٥» والمقتر: المقلّ، ومتاعا: مصدر مؤكد لِقَوْلِهِ:
وَمَتِّعُوهُنَّ، وَالْمَعْرُوفُ: مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ، وَالْعَادَةِ الْمُوَافِقَةِ لَهُ. وَقَوْلُهُ: حَقًّا وَصْفٌ لِقَوْلِهِ:
مَتاعًا أَوْ: مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، يُقَالُ: حَقَّقْتُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَأَحْقَقْتُ، أَيْ:
أَوْجَبْتُ. قَوْلُهُ: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ الْآيَةَ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المتعة لا تجب لهذه المطلقة

(١) . البقرة: ٢٤١.
(٢) . الأحزاب: ٢٨.
(٣) . الأحزاب: ٢٩.
(٤) . الرعد: ١٧. [.....]
(٥) . الأنعام: ٩١.

1 / 290