وفي روايةٍ لمسلم: أنه قال في الثالثة: "قد غفرت لعبدي فلعمل ما شاء" (١) أي: ما دام على هذا الحال كلَّما أذنب. . استغفر ولم يصر.
وأخرج أبو داوود والترمذي: "ما أصرَّ مَنِ استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٢)، فالاستغفار التام الكامل، المسبب عنه المغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار؛ لأنه حينئذٍ توبةٌ نصوحٌ، وأما مع الإصرار. . فهو مجرد دعاءٍ كما مر.
ومن قال: (إنه توبة الكذابين) مراده: أنه ليس بتوبة حقيقة؛ خلافًا لما تعتقده العامة؛ لاستحالة التوبة مع الإصرار، على أن من قال: (أستغفر اللَّه وأتوب إليه) وهو مصرٌّ بقلبه على المعصية كاذبٌ آثم؛ لأنه أخبر أنه تائبٌ وليس حاله كذلك؛ فإن قال ذلك وهو غير مصرٍّ بأن أقلع بقلبه عن المعصية. . فقالت طائفةٌ من السلف: يكره له ذلك، وبه قال أصحاب أبي حنيفة رحمهم اللَّه تعالى؛ لأنه قد يعود إلى الذنب فيكون كاذبًا في قوله: (وأتوب إليه)، والجمهور على أنه لا كراهة في ذلك؛ لأن العزم على ألَّا يعود إلى المعصية واجبٌ عليه، فهو مخبرٌ عمَّا عزم عليه في الحال، فلا ينافي وقوعه منه في المستقبل، فلا كذب بتقدير الوقوع.
وفي حديث كفارة المجلس: "أستغفرك اللهم وأتوب إليك" (٣).
وأخرج أبو داوود: أنه ﷺ قطع إنسانًا ثم قال له: "استغفر اللَّه وتب إليه" فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فقال: "اللهم؛ تب عليه" (٤)، بل استحبَّ جمعٌ من السلف قول ذلك مع زيادة: (توبةَ مَنْ لا يملك لنفسه ضرًا، ولا نفعًا، ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا).
(١) صحيح مسلم (٢٧٥٨/ ٣٠) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٢) سنن أبي داوود (١٥١٤)، وسنن الترمذي (٣٥٥٩) عن سيدنا أبي بكر الصديق ﵁.
(٣) أخرج أبو داوود (٤٨٥٧) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو ﵄، والترمذي (٣٤٣٣) عن سيدنا أبي هريرة ﵁ بنحوه.
(٤) سنن أبي داوود (٤٣٨٠) عن سيدنا أبي أمية المخزومي ﵁. وأول الحديث لفظه: أن النبي ﷺ أُتي بلصٍّ قد اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاعٌ، فقال رسول اللَّه ﷺ: "ما إخالك سرقت؟ " قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقُطع، وجيء به فقال: "استغفرِ اللَّه. . . ".
1 / 631
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]