مِنْ زَمَنِهِمْ؛ بَلْ يُنْقَضُ حُكْمُ مَنْ حَكَمَ بِحُكْمِهِمْ أَيْضًا. فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ لَمْ يُخَمِّسُوا قَطُّ مَالَ فَيْءٍ وَلَا خَمَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا جَعَلُوا خُمُسَ الْغَنِيمَةِ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَمَعَ هَذَا: فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ.
وَالْأَصْلُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ: إنَّمَا تَنَازَعُوا فِيهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: ٥٩] . وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ بِالصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ شَرِيعَتِهِ؛ بَلْ هَذَا مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ؛ وَلَا يَجُوزُ دَعْوَى نَسْخِ مَا شَرَعَهُ الرَّسُولُ بِإِجْمَاعِ أَحَدٍ بَعْدَهُ، كَمَا يَظُنُّ طَائِفَةٌ مِنْ الْغَالِطِينَ؛ بَلْ كُلَّمَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ إلَّا مُوَافِقًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ لَا مُخَالِفًا لَهُ؛ بَلْ كُلُّ نَصٍّ مَنْسُوخٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَمَعَ الْأُمَّةِ النَّصُّ النَّاسِخُ لَهُ؛ تَحْفَظُ الْأُمَّةُ النَّصَّ النَّاسِخَ كَمَا تَحْفَظُ النَّصَّ الْمَنْسُوخَ، وَحِفْظُ النَّاسِخِ أَهَمُّ عِنْدَهَا وَأَوْجَبُ عَلَيْهَا مِنْ حِفْظِ الْمَنْسُوخِ، وَيَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ مَعَهُ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ نَصِّ الرَّسُولِ ﷺ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَجْتَهِدُ الْوَاحِدُ وَيُنَازِعُهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ. هَذَا مِنْهَا، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا.
وَلِهَذَا لَمَّا رَأَى عُمَرُ ﵁: أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ فَظَنَّ أَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَازَعَهُ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهَا السُّكْنَى فَقَطْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى. وَكَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، وَهِيَ الَّتِي رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى» . فَلَمَّا احْتَجُّوا عَلَيْهَا بِحُجَّةِ عُمَرَ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] . قَالَتْ هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ الصَّحَابَةِ - كَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ
3 / 295