Fataawa Khalili
فتاوي الخليلي على المذهب الشافعي
Daabacaha
طبعة مصرية قديمة
Imbaraado iyo Waqtiyo
Cuthmaaniyiinta
فالأول مثل ما بلغنا عن القرون السابقة والأمم والملوك الفانية والمدن العانية، والثاني مثل أن يقال: حاتم الطائي أعطى زيدا فرسا ويقول آخر: أعطى عمر جملا ويقول آخر: أعطى ذهبا ويقول آخر: أعطى فضة فيفيد ذلك أن حاتما كريم وذلك تواتر معنوي لإفادته العلم. وكرامات الأولياء وتصرفهم ولو بعد الموت من الثاني، وبلغني أنه أنكرها واستدل على ذلك قبحه الله بقوله ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقه جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ظنا منه أن الكرامة من فعل العبد، وما فهم الأعجمي الأبكم أن الكرامة ليست من عمل العبد، بل هي محض إكرام الله تعالى لعبده، كما أنه عظم ربه بالعبادة حفظه كما أنه حفظ ربه بالقيام بأوامره واجتناب نواهيه.
وكما أخطأ هنا بالاستدلال أخطأ باستدلاله أن رسول الله ﷺ وكذلك سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يزارروهم لا يزاون لقوله ﷺ: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد". فوجه خطأه أن هذا استثناء، وقد صرح النحاة وأهل المعاني أن المستثنى منه هنا مقدر وموافق للمذكور في جنسه وصفته، فالمعنى: لا تشد الرحال لمسجد من مساجد الدنيا إلا لثلاثة مساجد فغير هذه مساجد الدنيا لا تشد له رحال ففهم الأعجمي الأبكم العوام فلزمه أن يلزم هدم الدين ورفع معالم الصديقين فإذا لا حج ولا جهاد ولا غزو ولا تجارة ولا يزار نبي ولا ولي ولا يطلب العلم بشد الرحال.
فتأمل بإنصاف رحماك الله تعالى الثاني من الأدلة ما تقدم من الآية لقوله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لو لم يكن المراد من البشرى أمر زائد على غيرهم لم يكن لذكرها فائدة، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولا فائدة إلا إثبات الكرامة والتصريف لهم، وقد نطق الكتاب بذلك في قصة مريم القول بأنها ولية لا نبية على الصحيح وصاحب سليمان ﵊ وقول عمر: يا سارية الجبل تحذيرا من ورائه، وأيضا من السنة ما نقله الحافظ عبد العظيم المقتدر في كتاب الترغيب والترهيب حيث قال: عن ابن عباس: ضرب بعض الصحابة خباء على قبر ولا يحسب أنه قبر إنسان فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا هو قبر إنسان قرأ سورة الملك حتى ختمها، فقال ﷺ: "هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر". رواه الترمذي. قال شارحه الفاضل الفيومى: وهذا دليل على وقوع الكرامة بعد الموت؛ لتقريره ﷺ وأخرج أحمد وابن أبي دنيا والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: إن
2 / 248