288

Fasl al-Khitab fi al-Zuhd wa al-Raqa'iq wa al-Adab

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

لقد عايش أبو بكر هذه الفترة، ببصيرة نافذة، وعقل نير، وفكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار، فعندما سأل الرسول الكريم ﷺ أصحابه يومًا -وفيهم أبو بكر الصديق قائلًا: من منكم يحفظ كلام -قيس بن ساعدة- في سوق عكاظ؟ فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلًا: إني أحفظها يا رسول الله، كنت حاضرًا يومها في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قيس- يقول: أيها الناس: اسمعوا وَعُوا، وإذا وعيتم فانتفعوا إن من عاش مات ومن مات فات، وكل ماهو آتٍ، آت، إن في السماء لخبرًا، وإنَّ في الأرض لعبرًا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج!!
يُقسم قيس، إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. مالي أرى الناس يذهبون، ولايرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا ثم أنشد قائلًا:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر ... لما رأيت مواردًا ... للموت ليس لها مصائر
ورأيت قومي نحوها ... يسعى الأكابر والأصاغر ... أيقنت أني لامحالة ... حيث صار القوم صائر (١)
وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني يقص الصديق ماقاله قس بن ساعدة على رسول الله وأصحابه (٢).
وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصّها على بحيرا الراهب (٣)، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه (٤).
لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار وقد ساعده على تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي ﷺ في الجاهلية، فعندما نزل الوحي على النبي ﷺ أخذ يدعو الأفراد إلى الله وقع أول اختياره على الصديق ﵁، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي بصدقه وأمانته، وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس فكيف يكذب على الله (٥)؟

(١) مواقف الصديق مع النبي بمكة، ص٨.
(٢) نفس المصدر، ص٩.
(٣) الخلفاء الراشدون، محمود شاكر، ص٣٤.
(٤) نفس المصدر، ص٣٤.
(٥) تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين، ص٤٤.

1 / 287