662

Explanation of al-Tahawi's Creed by Saleh Al-Sheikh

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

[المسألة الرابعة]:
الطحاوي في هذه الجملة قَسَمَ العلماء إلى قسمين، قالَ (أَهْلُ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ) فجعل العلماء على فئتين:
- الفئة الأولى: أهل الأثر.
- والفئة الثانية: أهل الفقه والنظر.
@ وأهل الأثر: هم الذين اعتنوا بالحديث روايَةً ودراية، -الدراية يعني بها الفقه-، ويدخل فيهم الإمام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وابن جرير وجماعات على هذا النحو.
@ وأهل الفقه والنظر هم الذين غَلَّبُوا القواعد المستنبطة الكلية على السُّنَنْ المروية، وهم أصحاب الرأي والنظر في مدرستيه الكبيرتين:
& في المدينة التي كان يتزعمها الإمام ربيعة المشهور بربيعة الرأي.
& وفي الكوفة التي كان يتزعمها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمهم الله تعالى أجمعين.
أهل الفقه والنظر يعتنون بالسنة؛ ولكن عنايتهم بالسنة قليل، وأهل الحديث والأثر يعتنون بالنظر لكن عنايتهم بالأقيسة وبالتَّقْعِيد قليلة.
ولهذا صار هناك في الأمة في الاجتهاد صارت هناك مدرستان:
- مدرسة أهل الحديث والأثر....
- ومدرسة أهل النظر.
ولا تُقَابِلْ بين أهل الحديث وأهل الفقه؛ لأنَّ هذه المقابلة لا حقيقة لها.
وإنما المُقَابَلَة بين أهل الحديث والأثر وبين أهل الفقه والنظر.
وكلمة النظر أرادها الطحاوي لأنَّ الجميع موصوفون بالفقه وبالعناية به يعني استنباط الأحكام من الأدلة؛ لكن من جهة النظر والقياس والعقليات والقواعد هذه اعتنى بها الحنفية وأهل الرأي ولم يعتنِ بها أهل الحديث والأثر، وإنما اعتنوا باستخراج الفقه من الأدلة بدون تحكيمٍ للأقيسة على الدليل.
مثاله: مثلًا عند الحنفية -أهل النظر- الحديث المرسل أقوى من المسند، فإذا اجتمع حديثان: مُرْسَلٌ ومُسْنَدْ حُكِمَ في الفقه بالمرسل ولم يُحْكَمْ بالمسند، لماذا؟
لدليلٍ عقلي عندهم، وهو أنَّ المُرْسِلْ من أهل الفقه من علماء التابعين لا ينسب إلى النبي ﷺ شيئًا إلا وهو متحققٌ به لأنَّهُ من أهل الفقه، وأمَّا الروايات المُجَرَّدَة فإنها يدخلها الغلط ويدخلها ما يدخلها.
ولاشك أنَّ هذا تعليل عقلي ولكنه ليس بمنطقي.
أيضًا ينظرون إلى القواعد أنَّهَا قطعية والأدلة غير المتواترة أنها ظنية فيقولون:
إذا صار هناك قاعدة أو قياس كلي فإنه يكون قطعيًا في الدلالة على محتواه، وأما الدليل فيكون ظنيًا: إما ظَنِّيْ الرواية -يعني إذا كان من السنة-، وإما أن يكون ظَنِّيْ الدلالة، أيضًا غير قطعي الدلالة من الكتاب أو من السنة.
فَيُحْكَمْ بالقاعدة ويُصْرَفْ ظاهر الدليل لأجل أنَّهُ يحتمل الظن والقاعدة قطعية.
ونحو ذلك من الخلاف المؤَسَّسْ على مشارب شتى.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وذكره شارح الطحاوية وجماعة (إنَّ العلماء فيما اختلفوا فيه من عدم الأخذ بالدليل من الكتاب والسنة يمكن أن يرجع إلى عدة أسباب)، ومن أهم هذه الأسباب.
- أولا: أنْ لا يثبت عند الإمام صحة الدليل.
- الثاني: أن يكون منسوخا أو مُؤَوَّلًا.
- الثالث: أن يكون مُعَارَضًَا بما هو أقوى عند الإمام من ذلك الدليل، إمَّا مُعَارَضْ بدليلٍ آخر وإما مُعَارَضْ بقاعدة كما عند الحنفية.
- الرابع: أن يكون للإمام هذا شرط في الرواية ليس هو شرط الإمام الآخر في الحديث.
مثلًا عندك الإمام الشافعي يقول حدثني الثقة ويعني به إبراهيم بن أبي يحيى، فإذا عَرَفْ الإمام أحمد أو غيره أَنَّ الرواية عن إبراهيم بن أبي يحيى هو عندهم ليس بثقة بل هو بضعيف بل ربما كان أدنى من ذلك مما اتُّهِمْ به بالكذب ونحو ذلك.
فهو عند إمام ثقة فيما يرويه يأخذ بروايته، وعند آخر ليس بشيء فلا يأخذ بروايته.
وهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ اختلاف الأئمة من أهل الفقه والنظر وأهل الحديث والفقه والأثر في ذلك اختلاف ليس راجعًا إلى عدم الأخذ بالدليل؛ ولكنه راجع إلى فهم الدليل، وما هو الدليل الذي يُسْتَدَلُ به وكون الدليل راجحًا غير مرجوح.
ولهذا لا يوجد في مسألة أن يقال: ليس للعالم هذا دليل. (١)
: [[الشريط السادس والأربعون]]:
أنا لا أعلم مسألة يقال ليس للإمام أبي حنيفة فيها دليل أو ليس للإمام أحمد فيها دليل أو ليس للإمام مالك فيها دليل، كلٌ منهم لا يقول قولًا ولا يذهب إلى مذهب إلا بدليل.
والأدلة أعم من النصوص من الكتاب والسنة لأن جِمَاعْ الأدلة عند أهل الأصول يرجع إلى ثلاثة عشرة دليلًا وتصير بالتفريق كما ذكره أهل الأصول وذكره القرافي في الفروق إلى عشرين دليلًا.
فهذه الأدلة منها ما هو مُتَّفَقٌ على الاستدلال به ومنها ما هو مُخْتَلَفٌ في الاستدلال به، فقد يكون الدليل دليلًا عند الإمام مالك وليس دليلًا عند الإمام أحمد مثل عمل أهل المدينة، وقد يكون الدليل مرعيًا عند أبي حنيفة وهو قاعدة ولا يكون مرعيًا عند الشافعي بورود دليلٍ من السنة في خلاف ذلك وهكذا.
فإذًا مأخذ العلماء اجتهادي، وواجبٌ حينئِذْ إذْ كانت هذه مآخذهم أن لا يُذْكَرُوا إلا بالجميل، وأن لا يُذْكَرْ العالم حتى فيما أخطأ فيه وابتعد في الخطأ حتى إباحة المالكية لأكل لحم الكلب وحتى في إباحة الحنفية لشرب النبيذ يعني غير المُسْكِرْ لا يُشَنَّعْ عليهم في ذلك لأنها اجتهادات فيما اجتهدوا فيه.

(١) نهاية الشريط الخامس والأربعون.

1 / 663