417
ولكن استماعه عباده المؤمنين أعظم كما قال تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ (سورة يونس آية ٦١)، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم (١٣).
هذا: وقد ضرب لنا رسول الله ﷺ المثل الأعلى بنفسه فى تحسين الصوت بالتلاوة، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: «سمعت النبى ﷺ يقرأ فى العشاء: والتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه» (١٤).
وفى الصحيحين عن جبير بن مطعم قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فى المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه، وفى بعض الروايات: فلما سمعته قرأ: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (٣٥) أم خلقوا السماوات والأرض بل لّا يوقنون (٣٦) أم عندهم خزائن ربّك أم هم المسيطرون (سورة الطور الآيات ٣٥ - ٣٧)، «كاد قلبى أن يطير» (١٥).
ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب، وهذا ما أشار إليه الرسول ﷺ فيما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ: «إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذى إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله» (١٦).
١٢ - التغنى بالقرآن: ومن أجل تحسين التلاوة وتزيينها أمر النبى ﷺ بالتغنى بالقرآن، فعن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: «ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى يتغنى بالقرآن» (١٧).
قال سفيان بن عيينة تفسيره: يستغنى به.
ولكن الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ردّ هذا القول وقال: ليس هو هكذا، ولو كان هكذا لكان يتغانى، إنما هو يتحزن ويترنم به.
ويؤيد هذا ما جاء فى الرواية الأخرى: «ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» (١٨)، قال الطبرى- رحمه الله تعالى: لو كان معناه الاستغناء
لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى.
ومما يؤكد هذا المعنى أيضا ما أخرجه البخارى وغيره عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» (١٩)، والمراد بالتغنى بالقرآن تحسين الصوت وتطريبه وتحزينه والتخشع به لما جاء عن أبى موسى ﵁ قال: قال لى رسول الله ﷺ ذات يوم: «لو رأيتنى وأنا استمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» قلت:
أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتى لحبرتها لك تحبيرا» (٢٠).
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر هذه

(١٣) فضائل القرآن لابن كثير ص ٣٣ طبعة الحلبى.
(١٤) الحديث: رواه البخارى ومسلم. وقال النووى متفق عليه. رياض الصالحين ص ٢٨٣ طبعة دار التراث العربى الأولى ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م.
(١٥) الحديث: أخرجه مالك فى الموطأ ١/ ٧٨ باب القراءة فى المغرب والعشاء، والبخارى فى تفسير سورة الطور فتح البارى ٨/ ٦٠٣ رقم ٤٨٥٤، ومسلم فى كتاب الصلاة، باب القراءة فى الصبح ١٢/ ٤١ رقم ١٧٤.
(١٦) الحديث: رواه ابن ماجة فى سننه، كتاب إمامة الصلاة ١/ ٤٢٥ رقم ١٣٣٩، وذكره الألباني فى السلسلة الصحيحة ٤/ ١١٢ برقم ١٥٨٣ بلفظ فيه اختلاف يسير.
(١٧) صحيح البخارى ٦/ ١٠٧، وصحيح مسلم ١/ ٥٤٥.
(١٨) الحديث: ٨/ ٢١٤ وصحيح مسلم ١/ ٥٤٥ رقم ٧٩٢ وأبو داود ٢/ ٧٦ رقم ١٤٧٣ وأحمد فى المسند ٢/ ٢٧١.
(١٩) الحديث: رواه البخارى فى كتاب التوحيد انظر فتح البارى ١٣/ ٥١٠ رقم ٧٥٢٧، وأحمد فى المسند ١/ ١٧٢، ١٧٥.
(٢٠) الحديث: رواه البخارى فى فضائل القرآن ٨/ ٧١٠ رقم ٥٠٤٨ والترمذى فى المناقب ٥/ ٦٥٠ رقم ٣٨٥٥.

1 / 426