وقلة الطيب ولما كان الطيب غالبًا قويًا، والإسلام فاشيًا ظاهرًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمًا به أهله، منصورون معانون، وأهل الفساد والفسوق مقهورون ذليلون؛ كان أولئك المذكورين بينهم وبين بلاد الشام خنادق وأسوار من قدر العزيز الجبار، فلا يصلون إليها، وكم قد حاولوا دخولها من سنين وشهور وأيام، وقد ضرب الله بينهم وبينها بسد فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، فالأحوال الشيطانية عندهم كثيرة جدًا؛ ولهذا الدجال إنما يخرج من قبلهم وبلادهم، وهم أتباعه، ويظهر على يديه من الأحوال الشيطانية والأمور الزنديقية ما يحار له الناظرون، وهو كافر بالله العظيم» (^١).
سادسًا: مما يدل على أن ما حدث لهم هو من صنيع الشياطين أن مثل هذه الأمور لم تحدث لخير القرون من الصحابة -رضوان الله عليهم-؛ وذلك لأن الشيطان لا سبيل له عليهم لما هم عليه من إيمان وإسلام وطاعة لله ورسوله، وإنما تحدث هذه الأمور لمن تسلطت عليهم الشياطين بسبب شركهم وفجورهم. قال شيخ الإسلام: «والمقصود أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة أو رأوا وسمعوا أمورًا من الخوارق فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين، كما أضل النصارى وأهل البدع بمثل ذلك؛ فهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم، وكذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية فيسمع ويرى أمورًا فيظن أنه رحماني، وإنما هو شيطاني، ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه، وكذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته ويغيث من استغاث به، أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته؛ لأن الذين رأوه علموا أن هذا شرك لا يحل، ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه: إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري واستغيثوا بي لا في محياه ولا في مماته كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين. ولا طمع الشيطان
(^١) الرد على البكري (١/ ١٣٧ - ١٣٩). وانظر: قاعدة جليلة (ص: ٥).