وثانيهما: أنَّ العدل المخبور إذا فَسَقَ بعد العدالة، لم يقدح ذلك في شهادته وروايته قبلَ الفسق، ولا أعلم في ذلك خلافًا. وقد ثبت أنَّ المسلمين كانوا عدولًا في زمانه ﵇ عقيب إسلامهم، فإذا كفروا بعدَ العدالة، لم يقدح كفرُهُم فيهم قبل أن يكفروا، ولا قال أحد: إنَّ الكفر يقدح في الراوي قبل أن يكفر.
الثالث: سلمنا أنَّ وفد عبدِ القيس مجاهيل ومجاريح فما للاجتهادِ، والتعذُّر أو التَعَسُّرِ، ولا نعلم لوفد عبد القيس حديثًا إلا حديثًا واحدًا في دعوة نبويَّة وذلك ما رواه الإمام أحمد (١) عن وفد عبد القيس أنَّهم سَمِعُوا رسولَ الله ﷺ يقول: " اللهمَّ اجعلنا من عِبادك المنتجبين (٢) الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الوفدِ المتقبّلين ". قالوا: يا رسولَ الله: وما الوفدُ المتقبلون؟ قال: " وفد يَقْدَمُونَ من هذه الأمة مع نبيهم إلى ربهم ﵎ " أخرجه الهيثمي " في مجمع الزوائد " (٣) وقال: فيه من لم أعرفهم.
وأحاديثُ الصحابةِ الكبار هي المتداولة في كتب الحديث والفقه والتفسير، وأحاديثُ الأعراب الجُفاة غيرُ معروفة، ورجال السُّنَّة قد صنَّفوا كتبًا كبارًا في معرفة الصحابة، فبينوا فيها من هو معروفُ العدالة من الأصحاب، ومن لا يُعرف إلا بظاهر إسلامه من الأعراب، ومن له رواية عنه ﵇ ومَنْ ليس له رواية، ومن أطال الصحبة، ومن لم يُطِلْها، والناظر
(١) في " مسنده " ٣/ ٤٣١ و٤/ ٢٠٧، وفيه محمد بن عبد الله العمري، وهو مجهول، وباقي رجاله ثقات.
(٢) المنتجب: هو المختار من كل شيء، وفي " المسند ": المنتخبين: وقد جاء تفسيره في المسند أنهم عباد الله الصالحون.
(٣) ١٠/ ١٧٤.