Badr Munir
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وأما كون علمه تعالى سابقا غير سائق وأن القدرة صالحة للضدين من الإيمان والكفر وتركهما كالفسق، فذلك معلوم بضرورة الحس الذي لا ينكرها عاقل، ويدل على كون القدرة صالحة للضدين من الإيمان والكفر وتركهما كالفسق قوله تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا}(1) قد نسب تعالى الحق إليه لقوله تعالى: {وقل الحق من ربكم} ونسب تعالى مشيئة الإيمان والكفر إليهم بقوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} فلو كانوا لا يقدرون على الإيمان لما أمرهم تعالى بما لا يقدرون عليه لأن تكليف ما لا يطاق قبيح عقلا والله يتعالى عن الأمر به، وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ولو كان الكفر والفسق لا يقدرون عليهما ولا تصلح قدرتهم إلا لأحدهما، ولا يقدرون على تركهما لكان قبيح منه تعالى أن يأمرهم بترك ما لا يقدرون على تركه من كفر أو فسق وأن يعاقبهم على شيء لا يقدرون على تركه من كفر أو فسق، إذ يكون ذلك قبيحا وظلما عند جميع العقلاء والله غني حميد، وقال تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا} وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقال تعالى مخبرا أن لهم قدرة صالحة للضدين: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا}(2) يعني تعالى جعلنا فيه ذلك من السمع والبصر، وجعلنا فيه القدرة على سماع الحق ومعرفته والقدرة [124أ] على البصر الذي هو القدرة على العمل مع الرؤية بحاسة العين بما نشاهد من المنظرات، ثم قال تعالى: {إنا هديناه السبيل}[الإنسان:3] يعني تعالى هديناه بما ركبنا فيه من العقل الكامل والقدرة الصالحة لأعمال الخير والشر، السبيل: سبيل الخير، وأمرناه باتباعه، وهديناه سبيل الشر بصرناه وعرفناه بما لا يرضاه من القبيح ونهيناه عن اتباعه، ثم أخبر تعالى أن القدوة صالحة للضدين وتركهما وحصول أنهما من الإنسان من كفر وفسق أو شكر باختياره فقال تعالى في ذلك: {إما شاكرا وإما كفورا} يعني تعالى: إما فاعل للشكر باختياره لنسبته تعالى ذلك إليه إجماعا وإما فاعل للكفر أو الفسق باختياره لنسبته تعالى ذلك إليه إجماعا، وقال تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[الكهف:29] ولم يقل تعالى فمن شئت وإلا لو كانوا لا يقدرون على واحد أو لا قدرة لهم لما كذب تعالى عليهم تعالى علوا كبيرا، فقوله تعالى مخبرا أن فيهم قدرة صالحة للضدين متوقف على العمل بها على اختيارهم لقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ولكان قال تعالى في ذلك فمن شئت كان مؤمنا ومن شئت كان كافرا تعالى الله عن قول مجوس هذه الأمة الكفرة الفجرة المجبرة الملاعين المفترين الكذب على رب العالمين وشهود إبليس اللعين لعنهم الله تعالى لعنا وبيلا وأخزاهم إلى يوم الدين.
Bogga 272