480

Badr Munir

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

فإن قال قائل : فقد فهمنا ما احتججتم به في الفرق بين إرادة الله ومشيئته في فعله وإرادته ومشيئته فيما سوى ذلك من فعل غيره، فما عندكم فيما قصه الله وذكره وأخبر به من أخبار الآخرة وقيام الساعة، فهل أراد وشاء تبارك وتعالى أن تقوم القيامة ويكون الثواب لأهله ويقع بأهله العقاب فقد نجده قد أخبرنا بذلك كله، فهل أراده وشاه كما أراد وشاء الإخبار به؟ ونذكر ما ذكر فكان ما أراد وشاء، وكانت إرادته ومشيئته في ذلك هي المراد من الإخبار نفسه، فإما أن يكون أراد وشاء أن تقوم القيامة ويقع الجزاء عندما أخبر به من خبرهما فلا لم يرد ذلك ولم يشاه، ولو كان مراده ومشيئته فيه كذلك لكان أول الخلق قد وقع وعاين القيامة والجزاء وكان قد انقطع النسل والنما، وحل بالأولين دون الآخرين ما يتقى، لكنه سبحانه أخبر عما سيكون من فعله، وهو سبحانه بغير شك يريد ويشاء أن يقيمها في وقت ما يشاء، والوقت في علمه معلوم مسمى، فإذا أراد وشاء إقامتها قامت، وإذا أراد وشاء أن يجليها تجلت؛ ولم يشأ أن يجليها سبحانه إلا في وقتها الذي إليه أجلها كما قال سبحانه: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها * قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون}(1) فهو سبحانه يريد ويشاء أن يقيمها لوقتها ولم يشأ أن يقيمها دون ما جعل من مدتها، وبين يريد ويشاء وأراد وشاء في اللغة واللسان فرق عند جميع أهل العربية والبيان؛ لأن معنى يريد ويشاء: هو سيفعل، لأنه فعل، ومعنى أنه أراد وشاء: فهو أمضى وفعل لا سيفعل، وبين الفعل المستقبل والفعل الماضي فرق في جميع المعاني من القول والإعراب وغير ذلك من غوامض الأسباب، يعرفه ويقف عليه ذوو الألباب، [120أ] وليس من قيل أنه يريد ويشاء أن يفعل كذا وكذا في الحكم كمن قيل أنه قد فعل ما به أقدم وعليه أحرى، والحكم عليه من الله ورسوله ومن الأئمة الهادين بالقطع والظن والقتل والضرب والحبس والتنكيل، فلا يقع على من يريد عمل ما يجعل فيه ذلك ولم يفعله، وإنما يقع ذلك ويجب على من دخل فيه واكتسبه وفعله، وفي أقل من ذلك نور وبرهان وفرق بين أراد وشاء ويريد ويشاء، وفصل وتبيان عند كل ذي علم وحجة وبصيرة ويقين واهتداء، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد المصطفى، وعلى من قام من عترته وزكى.

Bogga 253