Badr Munir
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فصل في ذكر الاستطاعة وعدم جواز تكليف ما لا يطاق وما خلق سبحانه منها فقال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}(1) وقال: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا}(2) وقال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}(3)، فأوجب الحج على من استطاعه، ووضعه عمن لم يستطعه، وقال: {يحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون}(4) فأخبر أنهم يستطيعون الخروج ولكن لا يفعلون، وقال: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا....الآية}(5) ثم أخبر أنه من لم يستطع الصيام فلا صيام عليه وقال: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين}(6) وإنما المعنى لا يطيقونه، فأخبر أنه قد وضع عنهم الصيام وجعل عليهم الفدية بدلا من الصيام لأن الصيام يجهدهم، وقال: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج}(7) فوضع التكليف عمن لا يستطيع وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}(8) وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}(9) فأخبر أنه لا عسر في دينه ولا ضيق، فلو كلف عبيده ما لا يطيقون ثم عذبهم لكان أضيق الضيق وأعسر العسر، وقال: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}(1) فلو لم يكن أعطاه القوة لم يأمره أن يأخذه بقوة، وقال حاكيا: {نحن أولوا قوة وألوا بأس شديد}(2) فلم يكذبهم ولم يرد مقالتهم كما أكذب المنافقين حين زعموا أنهم لا يستطيعون الخروج، وأنهم لو استطاعوا لخرجوا فقال عز وجل: {يهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون}(3) وكذلك العفريت حين قال لسليمان -عليه السلام: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإن عليه لقوي أمين}(4) فلم يكذبه الله ولم يرد عليه ولا أكذبه سليمان صلى الله عليه وآله وسلم وقال: {خذها بقوة وأمر قومك يأخذوا [119أ] بأحسنها}(5) فلولا أنه أعطاهم القوة على الأخذ لم يأمرهم به، ومثله: {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}(6) فأثبتت له القوة، فلم ينكر عليها أبوها ولم يكذبها ربها.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن الله لا يكلف أحدا من خلقه ما لا يطيقون وأنه قوى عباده على ما أمرهم به من طاعته، وبتلك القوة التي خلقها فيهم لطاعته يسير من سار منهم إلى معصيته، وبذلك علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل.
Bogga 248