311

التعليق على تفسير القرطبي

التعليق على تفسير القرطبي

﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بهذه النعم، والمراد كفران النعمة؛ لأنه قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله، قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [(٥٦) سورة النور] تقدم فأعاد الأمر بالعبادة تأكيدًا.
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [(٥٧) سورة النور] هذا تسلية للنبي -صلى الله عيه وسلم- ووعد بالنصرة، وقراءة العامة ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء خطابًا، وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو حيوة ﴿يحسبن﴾ بالياء بمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض؛ لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، وهذا قول الزجاج، وقال الفراء وأبو علي: يجوز أن يكون الفعل للنبي ﷺ: أي لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين في الأرض ..
حتى على القراءة الأولى، لا تحسبن يا محمد الذين كفروا.
فـ ﴿الذين﴾ مفعول أول و﴿مُعْجِزِينَ﴾ مفعول ثان، وعلى القول الأول ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعل.
﴿أنفسهم﴾ مفعول أول وهو محذوف مراد، و﴿مُعْجِزِينَ﴾ مفعول ثان، قال النحاس: وما علمت أحدا من أهل العربية بصريًا ولا كوفيًا إلا وهو يُخطئ قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن، وممن قال هذا أبو حاتم، وقال الفراء: هو ضعيف، وأجازه على ضعفه على أنه يحذف المفعول الأول، وقد بيناه، قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة: يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في موضع نصب قال: ويكون المعنى: ولا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض.
قلت: وهذا موافق لما قاله الفراء وأبو علي، إلا أن الفاعل هناك النبي ﷺ وفي هذا القول ﴿الكافر﴾ و﴿معجزين﴾ معناه: فائتين، وقد تقدم ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [(٥٧) سورة النور] أي المرجع ..
لا شك أن الخطاب في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ للنبي ﵊ وفي حكمه كل من يتأتى، ومن يمكن أن يوجه إليه هذا الخطاب، وكل أحدٍ لا يحسبن أن الكافرين معجزين – نسأل الله العافية-.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد.

12 / 24