من الله أن أوفق فيما بعد للكشف عن ذلك وإيضاحه بما يكفل لنا الحكم العلمي الصحيح.
ونقول الآن بعد هذا الخبر: إذا ثبتت استجابة كثير بن مرة لطلب أمير مصر، فيعني هذا أن بعض الحديث النبوي قد دون رسميا في منتصف العقد الهجري الثامن قبل انقضاء القرن الأول. وعلى أية حال، فإن اهتمام أمير مصر بحديث رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وتدوينه يزيدنا ثقة بأن التدوين قد سار جنبا إلى جنب مع الحفظ، ولم يتأخر قط إلى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، فيكون شرف المساهمة في تدوين الحديث، قد كلل الوالد الأمير والابن الخليفة البار، ويكون لهما جميعا شرف العمل لحفظ الحديث وتدوينه رسميا.
وأنا بهذه النتيجة لا أريد أن أخالف ما اشتهر عند أئمة هذا العلم من أن تدوين الحديث النبوي كان على رأس المائة الأولى في خلافة عمر بن عبد العزيز، بل أضع يدي على مفتاح بحث تاريخي له أهميته في تاريخ تدوين الحديث سواء أخالف هذا المشهور أم وافقه، وهذا المفتاح قد طوى في بطون تراثنا الزاخر، ينتظر من يتفرغ ليكشف عنه، فنحن في هذا لسنا بدعا، ولا نأتي بشيء جديد سوى أننا ننفض غبار الماضي عن جواهرنا المكنونة، ونحاول أن نسلكها في عقد يصور لنا الحقيقة التاريخية.
4 - المستشرقون ورأيهم في تدوين الحديث:
لقد عرفنا أن المسلمين حفظوا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في صدورهم وصحفهم، فساهمت الذاكرة والأقلام والصحف والدفاتر في حفظ السنة المطهرة، وسار الحفظ في الصدور وفي الصحف جنبا إلى جنب في سبيل هذه الغاية، ورأينا مراحل التدوين الفردي والرسمي، وثبت لنا وقوع التدوين في عهد رسول الله
Bogga 375