أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم، فأنزل الله تعالى فيه ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدّخان: الآية ٤٩] كذا قاله الواحدي: أي تقول له الزبانية عند إلقائه في النار ما ذكر توبيخا له.
ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال: لما أنزل الله تعالى سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: الآية ١] جاءت امرأة أبي لهب وهي أم جميل واسمها العوراء، وقيل اسمها أروى بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر: أي بكسر الفاء وسكون الهاء حجر يملأ الكف، فيه طول يدق به في الهاون إلى النبي ﷺ ومعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فلما رآها قال: يا رسول الله إنها امرأة بذية: أي تأتي بالفحش من القول، فلو قمت لتؤذيك، فقال ﷺ: «إنها لن تراني» فجاءت فقالت: يا أبا بكر صاحبك هجاني: أي وفي لفظ: ما شأن صاحبك ينشد فيّ الشعر؟ قال لا وما يقول الشعر أي ينشئه. وفي لفظ: لا ورب هذا البيت ما هجاك، والله ما صاحبي بشاعر وما يدري ما الشعر: أي لا يحسن إنشاءه، قالت له: أنت عندي تصدق، وانصرفت: أي وهي تقول:
قد علمت قريش أني بنت سيدها: أي تعني عبد مناف جدّ أبيها، ومن كان عبد مناف أباه لا ينبغي لأحد أن يتجاسر على ذمه، قلت: يا رسول الله لم لم ترك؟ قال: «لم يزل ملك يسترني بجناحه» أي فقد جاء في رواية أنه ﷺ قال لأبي بكر: «قل لها: هل ترين عندي أحدا، فسألها أبو بكر، فقالت أتهزأ بي، والله ما أرى عندك أحدا» .
أقول: وفي الإمتاع أنها جاءت وهو ﷺ في المسجد معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وفي يدها فهر، فلما وقفت على النبي ﷺ أخذ الله على بصرها فلم تره ورأت أبا بكر وعمر، فأقبلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقالت: أين صاحبك؟ قال وما تصنعين به؟ قالت بلغني أنه هجاني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فمه، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ويحك إنه ليس بشاعر، فقالت إني لا أكلمك يا ابن الخطاب: أي لما تعلمه من شدته، ثم أقبلت على أبي بكر لم تعلمه من لينه وتواضعه، فقالت: والثواقب أي النجوم إنه لشاعر وإني لشاعرة: أي فكما هجاني لأهجونه وانصرفت، فقيل لرسول الله ﷺ إنها لن تراك، فقال إنها لن تراني، جعل بيني وبينها حجاب: أي لأنه قرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) [الإسراء: الآية ٤٥] وفي رواية أقبلت ومعها فهران وهي تقول:
مذمما أبينا* ... ودينه قلينا*
وأمره عصينا*
فقالت: أين الذي هجاني وهجا زوجي، والله لئن رأيته لأضربن أنثييه بهذين الفهرين. قال أبو بكر: فقلت لها يا أم جميل والله ما هجاك ولا هجا زوجك، قالت: والله ما أنت بكذاب، وإن الناس ليقولون ذلك، ثم ولت ذاهبة، فقلت: يا