394

As-Sīrah an-Nabawiyyah

السيرة النبوية

ذكر ما قام به ﷺ من أعمال بعد نقض بني قريظة العهد
الرسول ﷺ قائد عملي، لا بد أن يأخذ ردود أفعال واقعية، ما الذي سوف نعمله؟ الجيش الإسلامي في حراسة الخندق في شمال المدينة، أي: هم في منطقة خارج المدينة المنورة، والنساء والأطفال في داخل المدينة، واليهود إلى جوارهم، وأول شيء فكر فيه النبي ﷺ هو إرسال جند لحماية النساء والأطفال.
وما يروى من قصة دفاع السيدة صفية عن الحصن ضد اليهودي، ورفض حسان بن ثابت ﵁ أن يهاجم اليهودي، فهذه رواية لا صحة لها؛ لأن السند منقطع، وفيها طعن لا يصح أبدًا في صحابي جليل كـ حسان بن ثابت ﵁ وأرضاه، ولا تنسوا أن حسان بن ثابت كان من الشعراء، ولو حدث هذا لما تركه أحد من شعراء قريش دون هجاء.
إذًا: الرسول ﷺ بعث فرقة لحماية الجبهة الداخلية في المدينة المنورة، ولا بد أن نفكر في الموقف من جديد، الآن الحصار من قريش وغطفان واليهود، فلا بد أن نعمل محاولة لفك هذا التحالف الرهيب، وأراد الرسول ﷺ أن يأتي بعرض مادي يحاول بهذا العرض أن يفك التحالف، فيا ترى يعرضه على من؟ على قريش، أم على اليهود، أو على غطفان؟ قريش لا يمكن، فتاريخ العداء طويل، وهؤلاء لم يأتوا من أجل المال، وإنما هناك دوافع عقائدية كبرى، أيضًا اليهود لا يمكن؛ لأن حقدهم على الرسول ﵊ كبير جدًا، وقد قالوا كلامًا في حق المسلمين ولا يستطيعون أن يتراجعوا عنه، وفي نفس الوقت التعاهد معهم غير مضمون؛ لأنهم متعودون على الخيانة، تبقى غطفان، فغطفان لم تأت إلى الحرب وهي متحرقة شوقًا لقتال الرسول ﵊، بل جاءت من أجل مال خيبر، فلو أعطوا من مال المدينة قد يرجعون، ولو رجعوا فإن صف المشركين سوف يتفكك، فستكون المحاولة في هذا الاتجاه! هذا كان تفكير الرسول ﷺ، وفعلًا عقد الرسول ﷺ اجتماعًا مع زعماء غطفان عيينة بن حصن والحارث بن عوف.
فإن قيل: كيف تقابلوا وكيف وصلوا له؟ نحن لا نعرف، المصادر لم توضح ذلك، لكن يبدو أنها كانت فرصة سريعة حتى إن الرسول ﵊ لم يجد وقتًا لإشراك الصحابة في اللقاء، أو أن اللقاء كان على مستوى عالٍ جدًا من السرية فلم يشترك فيه من الطرفين إلا الزعماء، فالرسول ﷺ من ناحية المسلمين، وعيينة بن حصن والحارث بن عوف من ناحية غطفان، المهم أن اللقاء تم بعد مشاورات ومداولات طويلة، واستقر الطرفان على إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة لسنة كاملة، على أن تعود غطفان وتترك حصار المسلمين، لكن الرسول ﵊ علّق هذه المفاوضات على قبول مجلسه الاستشاري لفكرة المفاوضات، خاصة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فهما سيدا الأوس والخزرج للسببين التاليين: أولًا: لأن الأوس والخزرج قريبون في مساكنهم في المدينة المنورة من غطفان؛ ولهذا فهم أدرى الناس بغطفان وبما يصلح معهم.
ثانيًا: أن ثمار المدينة هذه والتي ستكون ثمنًا لفك الحصار ليست ملكًا شخصيًا لرسول الله ﷺ، وإن كان هو زعيم المدينة المنورة وزعيم الدولة كلها، وإن كان هو النبي ﷺ، لكنه يحترم الملكية الشخصية للأفراد، فالثمار هذه ملكية شخصية للأوس والخزرج.
ولهذا بعد اجتماع الرسول ﷺ مع زعماء غطفان عقد اجتماعًا آخر مباشرة مع السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ﵄، وعرض عليهما الاتفاق الذي وصل إليه مع زعماء غطفان، وكان الرسول ﵊ يظن أن هذا عرض مغر جدًا ينقذ المدينة من الحصار الصعب، وكان هذا التشاور بعد شهر من الحصار تقريبًا، فيا ترى كيف كان رد فعل زعيمي الأوس والخزرج؟ يا ترى فرحا بهذا العرض أم رفضاه؟ وانظر إلى ردهما والحكمة فيه، أول شيء قاله سعد بن معاذ ﵁: (يا رسول الله! هل هذا أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيء تصنعه لنا؟).
وانظر إلى مدى الفهم والحكمة، لو كان أمرًا من الله، أو شيئًا يحبه الرسول ﷺ عندها لا بد أن نطيع وننفذ، وإن كان رأيًا بشريًا ترى أن فيه المصلحة للمدينة نعرض فيه رأينا، فقال ﷺ: (بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها - أي: من المدينة المنورة - ثمرة واحدة إلا قرىً أو بيعًا -أي: ضيافة أو بيعًا-، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا به وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من ح

28 / 13