389

As-Sīrah an-Nabawiyyah

السيرة النبوية

الجمع في الإدارة بين الرفق والحزم
ثالثًا: الجمع في الإدارة بين الحزم والرفق، ليس هناك من يمشي من غير إذن، والإذن ليس تمثيلًا وليس شيئًا روتينيًا لا معنى له، بل إن القائد للعمل الجماعي إن لم يقبل الإذن عندها لا يوجد إذن، ولو أن هذه الطاعة ليست واضحة في ذهن العامل، عندها لا يوجد معنى للعمل الجماعي، والرسول ﷺ يقول: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني) هذا كلام النبي ﷺ، وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁.
وفي قوله ﵎ يوجه التعليمات لنا ولنبينا ﵊: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور:٦٢] فمن ترى أن العمل لن يتأثر بغيابه أو ترى أن الظرف الذي يواجهه قهري فائذن له؛ لأن الإذن ليس مجرد إعلام لقائد العمل، هذا طلب يحتمل الرفض ويحتمل القبول، ومع ذلك لم يكن الرسول ﵊ يتعسف في استخدام هذا الأمر، بل كان فعلًا يأذن لبعض الصحابة إن رأى أن لهم ظرفًا قهريًا طارئًا.
وكان الجميع ينظر بصدق إلى أهمية إنجاح العمل الجماعي الذي يقومون به، وفي نفس الوقت لم يكن هذا الحزم معناه الغلظة والجفاء والقسوة، وإنما علمنا الرسول ﵊ كيف يمكن أن نجمع بين الحزم والهيبة والاحترام مع اللطف في المعاملة والرقة في الحديث، بل وبالدعابة والمرح والترفيه! عند لحظة حفرهم للخندق، واشتراك الرسول ﷺ مع الصحابة في نقل التراب، كان ينشد معهم شعر ابن رواحة ﵁: يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا وكان ينشده بنوع من الغناء، يمد صوته ﷺ في آخره، ويراهم النبي ﷺ يحفرون في البرد والجوع ويقول: (اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة).
وفي رواية: (فاغفر للمهاجرين والأنصار)؛ لأن الرسول ﷺ لم يكن يعرف أن يقول الشعر، فيرد عليه الصحابة ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا نعم.
هناك حزم ونظام وترتيب وخطة، لكن في جو جميل من الألفة والمحبة والسعادة الحقيقية.
كيف لهذا العمل أن يفشل في هذا الجو؟ لا يمكن.
إذًا: قلنا ثلاث ضوابط مهمة للعمل الجماعي: أولًا: مشاركة القائد لجنوده.
ثانيًا: توزيع العمل على الجميع.
ثالثًا: الجمع في الإدارة بين الحزم والرفق.

28 / 8