369

As-Sīrah an-Nabawiyyah

السيرة النبوية

أزمة بعث بئر معونة
جاء عامر بن مالك أحد زعماء بني عامر؛ ليقدم هدية إلى رسول الله ﷺ، فعل ذلك نوعًا من التقارب بين القبائل وليس طمعًا في الإسلام، فالرسول ﵊ قال: (أسلمت؟ قال: لا.
قال: فإني لا أقبل هدية من مشرك، قال: فإن القوم يرغبون في الإسلام فابعث معنا من يعلمهم الإسلام، فقال ﷺ: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال عامر: فإني جار لهم) أي: إني أجيرهم من بني عامر، وبنو عامر هم معظم أهل نجد، فوافق الرسول ﵊، ولأن قبيلة بني عامر كانت قبيلة كبيرة وأهل نجد هم مجموعات هائلة من القبائل، اختار الرسول ﷺ مجموعة كبيرة من الصحابة يعرفون بالقراء، كلهم كانوا يقرءون القرآن ويتدارسونه ليل نهار، كانوا من خيار الصحابة ﵁ وأرضاهم أجمعين، وكان تعدادهم سبعين صحابيًا، وأمر عليهم المنذر بن عمرو الخزرجي ﵁.
وكان هؤلاء السبعون معظمهم من الأنصار، وأخرجهم ﷺ ليقوموا بدعوة هذه القبائل الكبيرة للإسلام، وخرجوا في جوار عامر بن مالك زعيم بني عامر.
وفي الطريق وبعد أن وصلوا إلى منطقة تعرف باسم بئر معونة عسكروا فيها، وهي بئر بين بني عامر وبين بني سليم، فنزلوا هناك وبعثوا أحد الصحابة وهو حرام بن ملحان برسالة إلى عامر بن الطفيل ابن أخي عامر بن مالك وكان عامر بن الطفيل رجلًا شريرًا آثمًا غادرًا، وبينه وبين الرسول ﷺ قصة قديمة.
كان قد جاء إلى الرسول ﵊ وعرض عليه أمرًا قال: (أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أن أكون خليفتك، أو أن أغزوك بأهل غطفان) يعني: يهدده، فرفض الرسول ﵊ كل هذه المطالب جميعًا وردها.
فلما بعث الصحابة حرام بن ملحان برسالة يدعونه فيها إلى الإسلام، أشار الغادر عامر بن الطفيل إلى أحد رجاله -مع أن الرسل لا تقتل- أن يطعنه من ظهره، فجاء الرجل بحربة كبيرة وطعنه من خلفه فأنفذها حتى خرجت من صدره ﵁، ولما اخترق الرمح ظهر حرام بن ملحان وخرج من صدره وأدرك أنه ميت -أخذ الدم الذي يتفجر من جسده بيديه، وبدأ يمسح به وجهه ورأسه ويقول: فزت ورب الكعبة فزت ورب الكعبة.
سبحان الله! تخيل في هذا الموقف شابًا مثل حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه يُطعن هذا الطعن، وكل الذي يفكر فيه هذا الوقت أنه مات في سبيل الله ﷿ شهيدًا، فقال: فزت ورب الكعبة.
إنه لمنظر بديع، منظر يعبر عن صدق النوايا في القلب، يعبر عن الثبات إلى آخر اللحظات حتى في أشد المواقف صعوبة، كثير من الناس تهتز عند لحظات الموت، لكن ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وأدهش الموقف كل الحضور، حتى إن جبار بن سلمى الذي طعن حرام بن ملحان في ظهره حين سمع ذلك، قال: فقلت في نفسي: ما فاز؟ ما فاز؟ ألست قد قتلت الرجل؟ فقال له الناس حوله: يقول المسلمون: إن هذه شهادة، فسأل جبار بن سلمى عن ذلك حتى عرف أمر الشهادة في الإسلام، وذهب إلى المدينة المنورة يسأل عن ذلك، وكان ذلك سببًا في إسلامه ﵁ وأرضاه.
هذا الموقف خطير، ويجعلنا نسأل سؤالًا: هل الشهيد يتألم مثل ما نحن نتألم؟ يا ترى! بعد الطعنة التي دخلت في ظهره وخرجت من صدره يستطيع أن يفكر ويزن الأمور، ويقول كلامًا في منتهى الحكمة مثل هذا الذي قاله؟ يرد علينا الرسول ﷺ ويقول في الحديث: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة)، لما تقرصك حشرة أو ناموسة أو غيرها من الحشرات هذه القرصة التي تشعر بها أنت يشعر بها الشهيد، حتى ولو كان مطعونًا أو مضروبًا بسيبف أو أطلق عليه صاروخًا، لا يشعر الشهيد إلا بمثل ألم القرصة، ونحن نوقن بذلك تمامًا كما صور الحديث ﷺ.
إذًاَ: كان هذا أول الغدر، قتل حرام بن ملحان ﵁، ثم قام عدو الله عامر بن الطفيل باستنفار بني عامر لقتال المسلمين في بئر معونة، فرفض بنو عامر وقالوا: لا نخفر ذمة عامر بن مالك، فإن عامر بن مالك كان قد أجار المسلمين من بني عامر، فقام عامر بن الطفيل باستنفار بني سليم، فأجابته بعض البطون من بني سليم: عصية ورعل وذكوان، وجاءت هذه القبائل وأحاطت بالمسلمين الذين في بئر معونة، وقاتل المسلمون جميعًا حتى قتلوا إلا واحدًا منهم أصيب إصابات بالغة، وظنوا أنه قتيل، هو كعب بن زيد

27 / 7