السيرة النبوية
السيرة النبوية
Tifaftire
طه عبد الرؤوف سعد
Daabacaha
شركة الطباعة الفنية المتحدة
وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُف فِيهِمْ، وَدَرَسَ كتبَهم، حَتَّى حَسُن عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ، وبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ، لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دينهم.
إسْلَامِ كُوز بْنِ عَلْقَمَةَ: فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى رسول الله ﷺ من نَجْرَانَ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ موجِّهًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: كُوز بْنُ عَلْقَمَةَ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: كُرْزٌ- فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كُوزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ: يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ وأنت تَعستْ! فَقَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ، فَقَالَ لَهُ كوز: ما يمنعك منه وأنت تعلم بذا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفونا ومَولونا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أبوْا إلَّا خِلاَفه، فَلَوْ فعلتُ نَزَعُوا مِنَّا كلَّ مَا تَرَى. فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُوز بْنُ عَلْقَمَةَ، حَتَّى أسلمَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَهُوَ كَانَ يُحدِّث عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَلَغَنِي.
رُؤَسَاءُ نَجْرَانَ وَإِسْلَامُ ابن رئيس: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رُؤَسَاءَ نَجْرَانَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ كُتُبًا عندَهم. فَكُلَّمَا مَاتَ رئيسٌ مِنْهُمْ فأفْضَت الرِّيَاسَةُ إلَى غَيْرِهِ، خَتَمَ عَلَى تِلْكَ الكُتب خَاتَمًا مَعَ الْخَوَاتِمِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يكسِرها، فَخَرَجَ الرئيسُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَمْشِي فَعَثَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَاسْمُهُ فِي الْوَضَائِعِ -يَعْنِي: الْكُتُبَ- فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَكُنْ لابنهِ هِمَّة إلَّا أَنْ شَدَّ فَكَسَرَ الْخَوَاتِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ فحسُن إسلامُهُ وَحَجَّ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
إليكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضينُها ... مُعْترِضًا فِي بطنِها جَنينُها
مُخَالِفًا دينَ النَّصَارَى دينُها
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَضِينُ: الْحِزَامُ، حِزَامُ النَّاقَةِ، وقالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وَزَادَ فِيهِ أهلُ الْعِرَاقُ:
مُعترضًا فِي بطنِها جنينُها
فَأَمَّا أَبُو عُبَيدة فأنشدناه فيه.
صلاتهم إلى جهة الْمَشْرِقِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رسول الله ﷺ المدينة، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الحِبرات١، جُبَب وَأَرْدِيَةٌ، فِي جَمَالِ رِجَالِ بني الحارث بن كعب. قال: يقول
١ برود من اليمن.
2 / 159