395

السيرة النبوية

السيرة النبوية

Tifaftire

طه عبد الرؤوف سعد

Daabacaha

شركة الطباعة الفنية المتحدة

قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أُخْرِجَ عَنَّا فَوَاَللَّهِ مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، إذَا غَابَ عَنَّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسنَ حَدِيثِهِ، وحلاوةَ مَنْطِقِهِ، وغَلبته عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أمرَكم مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ إنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بعدُ قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا، ثُمَّ نُعطي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا ثُمَّ يَعْمِدوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ. فَإِنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذلك وهم مجمعون له.
استخلافه لعلي: فَأَتَى جبريلُ ﵇ رسولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فراشِك الَّذِي كنتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتْمَة مِنْ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ؟ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُمْ، قَالَ لعليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي وتَسَجَّ بِبُرْدي هَذَا الحَضْرمي الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُص إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ فِي بُرْدِه ذَلِكَ إذَا نَامَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بن زياد، عن محمد بن كعب القُرظي قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يزعُم أَنَّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمَّ بُعثتم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فجُعلت لَكُمْ جِنان كَجِنَانِ الْأُرْدُنِّ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْح، ثُمَّ بُعثتم مِنْ بعدِ مَوْتِكُمْ، ثُمَّ جُعلت لَكُمْ نَارٌ تُحرقون فِيهَا. قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُراب فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أنتَ أحدُهم. وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أبصارِهم عَنْهُ، فَلَا يَرَوْنَه، فَجَعَلَ يَنثرُ ذَلِكَ الترابَ عَلَى رءوسِهم وَهُوَ يَتْلُو هؤلاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رجل إلا قد وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يذهبَ، فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لم يكن معهم، فقال:

2 / 91