السيرة النبوية
السيرة النبوية
Tifaftire
طه عبد الرؤوف سعد
Daabacaha
شركة الطباعة الفنية المتحدة
فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: "هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟ " فَقَالُوا لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: "أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عليَّ الْكِتَابَ". قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ غلامًا حدثًا: أي قوم، وهذا وَاَللَّهِ خيرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ. قَالَ: فَيَأْخُذُ أَبُو الحَيْسر، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ الْبَطْحَاءِ، فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إيَاسِ بْنِ مُعاذ، وَقَالَ: دَعْنا مِنْكَ فلَعَمْري لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا. قَالَ: فَصَمَتَ إيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إلى المدينة، وكان وَقْعَةُ بُعاث بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ.
قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ. قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا، لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما سمع.
إسلام الأنصار:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ إظْهَارَ دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنْ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادة، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَنْتُمْ؟ " قَالُوا نَفَرٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، قَالَ: "أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ؛ قَالَ: "أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟ " قَالُوا: بلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ ﷿، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الإِسلام، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ قال: وكان مما صنع الله لهم به فِي الْإِسْلَامِ، أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أهلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم١ بِبِلَادِهِمْ. فَكَانُوا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ: إنَّ نَبِيًّا مبعوثٌ الآنَ، قَدْ أَظَلَّ زمانُه، نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قتلَ عَادٍ وإرَم. فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
١ عزوهم: غلبوهم.
2 / 54