السيرة النبوية
السيرة النبوية
Tifaftire
طه عبد الرؤوف سعد
Daabacaha
شركة الطباعة الفنية المتحدة
وَاَللَّهِ أَنَّ مَلِكَكم الَّذِي لَا يُقِيمُ أمرَكم غيرُه لَلَّذِي بِعْتُمْ غَدوةً، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ الْحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوهُ الْآنَ قَالَتْ: فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، وَطَلَبِ الرَّجُلِ الَّذِي بَاعُوهُ مِنْهُ حَتَّى أَدْرَكُوهُ، فَأَخَذُوهُ مِنْهُ؛ ثُمَّ جَاءُوا بِهِ فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ، وَأَقْعَدُوهُ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ، فملَّكوه.
حديث التاجر الذي اشتراه: فَجَاءَهُمْ التَّاجِرُ الَّذِي كَانُوا بَاعُوهُ مِنْهُ، فَقَالَ: إمَّا أَنْ تُعْطُونِي مَالِي، وَإِمَّا أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: لَا نُعْطِيكَ شَيْئًا، قَالَ: إذَنْ وَاَللَّهِ أُكَلِّمُهُ؛ قَالُوا: فدونَك وَإِيَّاهُ. قَالَتْ: فَجَاءَهُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، ابتعتُ غُلَامًا مِنْ قَوْمٍ بِالسُّوقِ بِسِتِّ ماِئَةِ دِرْهَمٍ، فَأَسْلَمُوا إليَّ غُلَامِي وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي، حَتَّى إذَا سِرْتُ بِغُلَامِي أَدْرَكُونِي، فَأَخَذُوا غُلَامِي، وَمَنَعُونِي دَرَاهِمِي. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُمْ النَّجَاشِيُّ: لتُعْطُنَّه دَرَاهِمَهُ، أَوْ لَيَضَعَنَّ غلامُه يدَه فِي يَدِهِ، فَلَيَذْهَبَنَّ بِهِ حَيْثُ شَاءَ؛ قَالُوا: بَلْ نُعْطِيهِ دَرَاهِمُهُ قَالَتْ: فَلِذَلِكَ يَقُولُ: مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي رِشوة حِينَ ردَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشوةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فيَّ فَأُطِيعَ النَّاسَ فِيهِ. قَالَتْ: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا خُبر من صلابته في دينه، وعدله فِي حُكْمِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ، كَانَ يُتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ.
إسلام النجاشي والصلاة عليه وخروج الحبشة عليه:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اجْتَمَعَتْ الحبشةُ فَقَالُوا لِلنَّجَاشِيِّ: إنَّكَ قَدْ فَارَقْتَ دينَنا، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَ إلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَهَيَّأَ لَهُمْ سُفنًا، وَقَالَ: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإذا هُزمت فَامْضُوا حَتَّى تَلْحَقُوا بِحَيْثُ شِئْتُمْ، وَإِنْ ظَفِرْتُ فَاثْبُتُوا ثُمَّ عَمَدَ إلَى كِتَابٍ فَكَتَبَ فِيهِ: هُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عبدُه ورسولُه وروحُه، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ؛ ثُمَّ جَعَلَهُ فِي قُبَائِهِ عِنْدَ الْمَنْكِبِ الْأَيْمَنِ، وَخَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَصُفُّوا لَهُ؛ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَبَشَةِ، أَلَسْتُ أحقَّ النَّاسِ بِكُمْ؟ قَالُوا. بَلَى؛ قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ سِيرَتِي فِيكُمْ؟ قَالُوا. خَيْرَ سِيرَةٍ؛ قَالَ: فَمَا لكم؟ قَالُوا: فَارَقْتَ دينَنا، وَزَعَمْتَ أَنَّ عِيسَى عبدٌ؛ قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِي عِيسَى؟ قَالُوا: نَقُولُ هُوَ ابْنُ اللَّهِ؛ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ عَلَى قُبَائِهِ: هُوَ يَشْهَدُ أن عيسى ابن مَرْيَمَ، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا يعني ما كتب، فرضوا وانصرفوا١. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ؛
١ وفيه من الفقه أنه لا ينبغي للمؤمن أن يكذب كذبًا صراحًا، ولا أن يعطى بلسانه الكفر وإن أكره، ما أمكنته الحيلة، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.
1 / 293