ويشهد لهذه القاعدة أصول من السنة القولية والفعلية. فمن القولية: حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم. فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»(١). وفي هذا الحديث قاعدة أخرى في مجال الحدود هي: «الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة». وتظهر قيمة ذلك أكثر حين يتعلق الأمر بإزهاق النفس، فإن الخطأ في إبقائها والحفاظ عليها خير من الخطأ في إزهاقها؛ لأن المتهم إذا سقط عنه الحد خطأً قد يتوب ويحسن حاله فيكفر بذلك عما صدر منه.
وروي أيضاً أنه ﷺ قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهات»(٢).
ومن السنة الفعلية: أنه ﷺ حين جاءه ماعز معترفاً بالزنا، جعل يلقنه كلمات مثل «لعلك قبلت، لعلك لمست، لعلك غمزت»(٣) عسى أن يقول: نعم فيسقط عنه الحد. ولما جاءته الغامدية مقرة بالزنا قال لها: نحواً من ذلك(٤).
جاء في إحدى روايات حديث ماعز والغامدية: «كنا أصحاب رسول
(١) أخرجه الترمذي في الحدود.
(٢) ذكر السيوطي أن ابن عدي أخرجه - في جزء له - عن ابن عباس. انظر: الأشباه: ص٨٤. وأخرج ابن ماجة في الحدود أحاديث بهذا المعنى ترجم لها بقوله: «باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات».
(٣) حديث ماعز والغامدية أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي في الحدود بروايات مختلفة. وأخرجه غيرهم.
(٤) نفس الهامش السابق.