٣- إذا اجتمع السبب والمباشرة سقط حكم السبب:
سبق أن من أسباب ضمان المتلفات التفويت المباشر، والتسبب في الإتلاف. وهذه القاعدة تتعلق بما إذا اجتمع على إتلاف المال شخصان أحدهما باشر الإتلاف، والآخر تسبب فيه، فإن الضمان حينئذ يكون على المباشر. فمن دل سارقاً على مال إنسان فسرقه، كان الضمان على السارق؛ لأنه مباشر، أما الدال فهو متسبب. ومن حرض إنساناً على غَصْب مال غيره كان الضمان على الغاصب؛ لأنه مباشر، أما المحرض فهو متسبب. وهكذا فيما يشبه ذلك من الصور الأخرى. قال القرافي يعلل ذلك: ((وإذا اجتمع منها سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين غلبت المباشرة على التسبب. كمن حفر بئراً لإنسان ليقع فيه، فجاءه آخر فألقاه فيه، فهذا مباشر والأول متسبب، فالضمان على الثاني دون الأول تقديماً للمباشرة على التسبب؛ لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند التعارض))(١)
فالعلة - إذا - هي رجحان المباشرة على التسبب، وكونها أقوى منه، فإذا وجدت صورة كان التسبب فيها قوياً قوة المباشرة أو أكثر، أعطي حينئذ حكمها، كمن أكره شخصاً على قتل غيره، فإن القصاص على المكره والمكره. وقد يكون التسبب أقوى من المباشرة فيغلب عليها. ويكون موجباً للضمان دونها، كشهود الزور يشهدون أمام الحاكم شهادة توجب إتلاف مال الغير، فإنهم متسببون في إتلاف مال الغير، والحاكم مباشر، لكن مع ذلك فإن الضمان عليهم دون الحاكم، لقوة تسببهم في الإتلاف
(١) الفروق: ٢٠٨/٢.