وقد جاء: "إنَّ الله تعالى يُبَاهِي بِقُوَّامِ اللَّيل في الظَّلام ملاِئكَتَهُ، يقول: انظُرُوا إلى عِبادِي قد قَامُوا في ظَلَامِ اللَّيلِ حيثُ لَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ غَيْري؛ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَبَحْتُهم دَارَ كَرَامَتِي" (١).
و"التَّجَافي ": التَّركُ والتَّنَحِّي، جافى جنبه عن مضجعه: نحَّاهُ، وفي الحديث: "يُجَافي بِضبْعَيْهِ" (٢) أي: يُبْعِدهُمَا عن الأرض وعن جَوْفِهِ؛ فمعنى: ﴿تَتَجَافَى﴾: تَبعُد وتَزُول، وقيل: تنتحي إلى فوق، واستحسنه ابن عَطِيَّة (٣).
و: ﴿الْمَضَاجِعِ﴾: مَوضِعُ الاضطجاع للنَّوم، واختُلِفَ في وقت هذا التَّجافي: هل هو بين المغرب والعشاء، أو انتظار العشاء الآخرة؛ لأنَّها كانت تُؤَخَّر إلى نَحْوِ ثُلُثِ اللَّيل؟ على قولين.
وقال الضحاك: "تَجَافي الجَنْب هو أنْ يُصَلِّي الرَّجُلُ العِشاءَ والصُّبح في جماعة" (٤).
والجمهورُ على أنَّ المُرَادَ: صلاة اللَّيلِ.
و"رَأْسُ الأَمرِ" أي: العبادة، أو الأمر الَّذي سألتَ عنه، وجعل رأس الأمر: الإسلام، شبَّههُ بالفَحلِ مِن الإبل؛ إذْ كانت خيار أموالهم، ويُشَبِّهُونَ بها رؤساءهم كما قالوا: "هو الفحلُ لا تُقْرَعُ أَنفُهُ" (٥). فجعل الإسلام رأس هذا
(١) لم أقف عليه.
(٢) رواه البخاري (١/ ١٦١ رقم ٣٩٠، ٨٠٧)، ومسلم (١/ ٣٥٦ رقم ٢٣٥) من حديث عبد الله بن مالكٍ بن بُحَيْنَةَ ﵁ بمعناه.
"وضبعيه" تثنية ضبع وهو وسط العضد من داخل، وقيل: هو لحمة تحت الإبط. انظر: "النهاية" (٣/ ٧٣)، و"فتح الباري" (٢/ ٣٤٣).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" تأليفه (٧/ ٧٥).
(٤) ذكره القرطبي (١٤/ ١٠٠)، وابن كثير (٦/ ٣٦٣) في تفسيريهما.
(٥) "يُضربُ للشَّريف لا يُرَدُّ عن مُصاهرةٍ ومواصلةٍ". "مجمع الأمثال" للميداني (٣/ ٤٨٥).